الأحد ١٨ - ٨ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آذار ١٧, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
شهد لبنان أخيراً موجة من التصعيد الكلامي بين بعض أهل الحكم من ممثلين للشيعية السياسية وآخرين للمسيحية السياسية. ليس غريباً اندلاع مثل هذه السجالات بين حين وآخر، فهي انعكاس للخلافات السياسية ووسائل معالجة المشكلات. لكن السجال هذه المرة تميز بنبرة حادة غير مسبوقة في التعبير الذي جاء من الطرفين حاملاً ألفاظاً سوقية ومبتذلة، لا تليق بوزير ولا حتى بمواطن عادي. والغريب أن السجال اندلع على قاعدة اتهام كل طرف للآخر بالفساد وسرقة المال العام وتعطيل عمل المؤسسات، وهي اتهامات تتشارك فيها الأطراف المتساجلة، بحيث يمكن القول إن كل واحد منهم كان ينطق بالحقيقة عن الطرف الآخر. تكمن وراء السجال عوامل متعددة تتعلق بالوضع الراهن ومستقبل البلد بعد الانتخابات.

العنصر الأول في تسعير السجال يتصل بالانتخابات النيابية التي انطلقت عملياً، ووضعت القوى السياسية أمام استحقاقات غير معروفة النتائج. ليس الخوف على هذه الطبقة أن تخترقها قوى ديموقراطية تغييرية، بل من الصراعات المندلعة بين بعضها البعض على المقاعد النيابية. تعتبر هذه الانتخابات جديدة على القوى السياسية وعلى الشعب اللبناني. فالقانون الجديد القائم على النسبية، بدأ يدخل القلق إلى الكتل الرئيسية من النتائج التي سيرتبها، بعد أن زالت المحادل التي كان يفرضها القانون الأكثري. مما جعل التحالفات تزيد الأمر تعقيداً بين الكتل والتيارات السياسية. وأسوأ ما في القانون هو ما بات يعرف بالصوت التفضيلي الذي يُعطى لمرشح واحد فقط في اللائحة، ما جعل الصراع والتنافس قوياً بين أفراد اللائحة المرشحة نفسها حول من سينال الصوت التفضيلي. هكذا تحولت الانتخابات إلى ما يشبه مشفى مجانين، يختلط فيها الحابل بالنابل. ولأن القانون يعتمد الطائفية قاعدة للانتخاب، يصبح من لزوميات المعركة استخدام التزخيم الطائفي وشد عصبه من الضروريات التي لا بد منها. في هذا السياق يندرج احد عناصر السجال المندلع.

العنصر الثاني الذي تسبب في السجال، والمتوقع ازدياده، هو اندراجه ضمن صراع المحاصصات الطائفية على المواقع الأساسية في الدولة. تصعّد المسيحية السياسية من معركتها تحت عنوان استعادة الصلاحيات المسروقة منها في اتفاق الطائف. في المقابل، يندرج تصعيد الشيعية السياسية في سياق تعديل اتفاق الطائف بما يعطيها موقعاً في السلطة يتناسب مع حجمها العددي، ومع السلطة التي يؤمنها لها سلاح حزب الله، وهي تسعى من أجل ذلك لتكوين كتلة متراصة تشكل «بيضة القبان» في الحكم المقبل، وتمكنها من التحكم برقاب الحكم والحكومة. لا يعني ذلك أن سائر القوى غير مهتمة بأوزانها في البرلمان المقبل، لكنها تعاني من الانقسامات الحادة وعدم القدرة على بناء تحالفات موحدة، فكل كتلة تريد المواقع على حساب الأخرى. ولا تتورع أي قوة عن استخدام التحريض الطائفي والمذهبي لشد الجمهور إليها.

العنصر الثالث يتصل بمرحلة ما بعد الانتخابات. لا يخفى أن الجميع يتعاطى مع النتائج التي ستسفر عنها بوصفها ستحدد مصير البلد مستقبلاً. فالمجلس الجديد سينتخب رئيس الجمهورية المقبل، وسيمكنه إدخال تشريعات جديدة تطال بنية النظام ومجمل التركيبة الطائفية، إذا ما تمكنت الكتل الداعية لهذا التعديل من المجيء بقوة برلمانية تتيح لها إقرار مثل هذه التعديلات. يسود كلام كثير في أروقة القوى السياسية عن الأهداف البعيدة التي تسعى إليها قوى محلية وإقليمية لتغيير صورة لبنان الحالية أو الموروثة، وذلك عبر انقلاب سلمي يتم بواسطة السلطة التشريعية.

أين تقف قوى الاعتراض وسط هذه المعمعة؟ إن ما كان يعرف بمعارضة ديموقراطية وعلمانية في العقود الماضية تعاني من الهامشية والتهميش، ولا مكان لها سوى إعادة بناء نفسها مستفيدة من الانتخابات كفرصة للتحريض وتقديم البرنامج البديل. أما ما يعرف بقوى المجتمع المدني التي نبتت كالفطر في الأشهر الأخيرة، فقد أتت الانتخابات لتكشف ضحالتها السياسية وتخبطها، وعجزها عن التوحد في لوائح معارضة. بدا التنافس الفردي والنرجسية لدى البعض عنصراً يزيد من خلافاتها، بما سيجعلها عاجزة عن تحقيق أي اختراق.

تبقى كلمة في شأن البرامج الانتخابية التي تطلقها كل كتلة سياسية عند تقديم ترشيحاتها. جميع البرامج مكللة بالورود والوعود في تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية. المدهش أن هذه القوى السياسية– الطائفية حكمت البلد، ولا تزال، منذ عقود، فلماذا لم تحقق هذه الإصلاحات التي تعد بها الآن. هذه القوى والكتل امتهنت نهب المال العام وأشاعت الفساد في كل مرفق من مرافق الدولة، وانتهكت القوانين... لم تترك مجالاً إلا وعبثت به، وهي تطل على اللبنانيين بوعود وبرامج إصلاحية. كيف يمكن لفاسدين ومفسدين أن يتجرأوا على تقديم هكذا أطروحات، والمحاضرة بالعفة في شكل لا يصدقه العقل؟

* كاتب لبناني


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
العقوبات الأميركية على حلفاء «حزب الله» رهن «التوقيت المناسب»
مرحلة سياسية جديدة مع عودة الحريري والأولوية للوضع الاقتصادي
الحريري ينفي حصول ضغوط أميركية جديدة على لبنان
غوتيريش يدعو إلى منع المسلحين والأسلحة بجنوب الليطاني
بومبيو يهاجم "حزب الله": المؤسسات ضرورة للإستقرار والحريري: نعمل لتجنيب لبنان أي تبعات من العقوبات عليه
مقالات ذات صلة
"لا يا حبيبي"... لا يا حفّاري قبرشمون...- سليم معوض
إحباط انقلاب في لبنان! - حازم صاغية
تفسير الدستور شأننا جميعاً: في الترفّع عن سجال ٍعقيمٍ - شبلي ملاّط
المطران ميشال عون يعيدنا إلى العام 1277 - أنطوان قربان
لبنان: مَن يبدد هواجس الانهيار؟ - سام منسى
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة