الثلثاء ٢٠ - ٨ - ٢٠١٩
 
التاريخ: شباط ٢٥, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
من يحدّق طويلاً في مباني بيروت، يلاحظ آثاراً لرصاص، معظمها يعود إلى الحرب الأهلية. وربّما لاندهاشنا بتلك الحرب وذاكرتها، لم نلاحظ آثاراً أخرى لرصاص أحدث عهداً أطلق في يوم مجيد من عام ٢٠٠٨، عندما قرّر «حزب الله» تأديب خصومه السياسيين.

هذه الدلائل عن عنف حاضر باتت خفية، ولم تعد تحتاج إلى قانون عفو لكي تنسى. وهي ليست الآثار الوحيدة لعنف السنوات الأخيرة التي باتت تختفي من الحيز العام. فهناك سياسي قريب من «حزب الله» يقبع في سجن بتهمة التخطيط لعمليات إرهابية. وهناك صور لصحافيين وسياسيين قضوا اغتيالاً وباتوا اليوم في أحسن الأحوال تواريخ لعطل مدرسية. وهناك محكمة دولية الجميع متمسك بنسيانها.

لا يهدف استذكار تلك الحوادث إلى إنعاش نوع من الممانعة المعكوسة، ترفض الاعتراف بالواقع وتتمسك بروايتها ضد أي محاولة لنسيانها. فالمشروع السياسي الذي أعطى تلك الحوادث معناها انهزم وبات الاختفاء التدريجي لآثاره أحد شروط إمكانية العهد الجديد وتاريخه الأسود. فالعهد الجديد لم يأت نتيجة انتخابات أو انقلاب في الرأي العام، بل قام على عنف في الداخل اللبناني وجواره السوري، أدّب أو ما زال يؤدب، من حاول معارضته.

وأن يقوم نظام جديد على العنف، فهذا ليس مستغرباً. فلجميع الأنظمة السياسية، تاريخ أسود قام على شتى أنواع العنف والإقصاء. بيد أن ما يميز الأنظمة القائمة عن تلك الفاشلة هو مدى تطبيع هذا العنف ونجاح عملية إخفاء ضحاياه. هشاشة العهد الجديد لا تنمّ فقط عن تناقضاته الداخلية أو ضعف حاضنته الإقليمية فحسب، بل أيضاً عن عدم استكمال عملية تطبيع عنفه المؤسس. فما زال هناك أفراد يتذكرون لحظة خبر الاغتيال وما زال هناك من يعتبر القتل في سورية جريمة يشارك فيها «حزب الله».

لهؤلاء «البقايا» أداة تأديبية جديدة، أقل عنفاً من العبوات المتفجرة، تدعى الانتخابات النيابية. فأحد أهداف الاستحقاق المقبل هو تطبيع هذا العنف واستكمال عملية إخفاء ما صُنع منه في ظل سيطرة العهد الجديد. وهذا الإخفاء يأخذ شكل استبدال المواجهة مع «حزب الله» بعناوين جديدة مثل محاربة الفساد أو تمثيل الشباب، أو كما جاء على لسان رئيس تيار المستقبل «إعادة الاعتبار لزمن رفيق الحريري».

وقد يكون المثل الأوضح لنجاح عملية التأديب هذه مهرجان 14 شباط (فبراير) الذي أقامه هذا التيار في ذكرى اغتيال رفيق الحريري، وإن كان حدث الاغتيال لم يعد هو الحدث المركزي لهذا التجمع. ففي حضور الوزير سليم جريصاتي، تمت إعادة توزيع أغنية «لا ما خلصت الحكاية». لكن الحكاية انتهت، على رغم رفع صور الشهداء، ربما رفعاً للعتب.

فعلى رغم إصرار سعد الحريري على خلافه مع «حزب الله»، خصص أكثرية خطابه لمهاجمة من اتهمهم بالعزف يومياً على «لحن المزايدة»، أي «المزايدين» الذين كانوا «في عداد الأصدقاء» ولكنهم «أصلاً من يعملون فعلياً عند حزب الله». هكذا، تبين أن الدور الأساسي للمهرجان كان تأديب تلك الأصوات التي رفضت التسوية الرئاسية وإعادة تموضع تيار المستقبل، أي «بقايا 14 آذار».

الصورة التي قدّمها تيار المستقبل كانت بحد ذاتها صورة «المؤدب» الذي يحاول تأديب بعض من «يشنون حرباً على الورق».

بيد أن الدور التأديبي لمهرجان 14 شباط، لم يكن فقط في الهجوم على من اتهم الحريري بالمراهنة على تصيد «فتات الموائد في تيار المستقبل»، بل في قدرته على استيعاب وتجسيد الهزيمة التي منيت بها 14 آذار. فقدّم الحريري صورة الشريك المقبول للعهد الجديد من خلال إعادة تموضعه الإقليمي والداخلي. فمن النأي بالنفس إلى الابتعاد من «الحريق السوري» مروراً بالاحتفاء بالنصر على «داعش»، وضع الحريري نفسه في الامتداد الخارجي للعهد الجديد. أما في الداخل، فلم يجد الحريري غير العودة إلى الوراء، إلى مرحلة ما قبل الاغتيال، أي «زمن رفيق الحريري»، متغاضياً عن ثمن هذا الزمن وأسباب انتهائه. فعلى عكس تيار المستقبل، لسنا جميعنا متحمسين للعودة إلى «زمن رفيق الحريري»، بخاصة عندما يكون مقروناً بـ «زمن حزب الله». البعض يفضل بقايا هذه الأزمنة.

الرد على تأديب الانتخابات لن يكون بالتغاضي عن أهمية الاستقرار أو النأي بالنفس، وخوض معارك وهمية ضد حزب لم تقم سيطرته أصلاً على عدد مقاعده الانتخابية. كما أنّ الرد لا يمكن أن يكون في الهروب نحو مواضيع الفساد بوصفه تأقلماً مع الوضع الجديد. هناك عنوان خفي لهذه الانتخابات، هو تطبيع العنف والقبول به. إنّها أول انتخابات تخاض بعد سيطرة «حزب الله» وحربه في سورية ومرحلة الاغتيالات. سؤال الانتخابات هو امتداد لابتزاز «حزب الله» الأولي: إما الحرب الأهلية أو سلاحه. اليوم، هذا الابتزاز يأخذ شكل الانتخابات كمدخل لتطبيع العنف والقبول به. بعد هذه الانتخابات ومهما كانت النتيجة، سيكون العنف قد بات مشروعاً. ربّما يغدو حينذاك خفياً ويتاح للنظام أن يتطبع.

في وضع كهذا، يبدو أن الخيار الوحيد هو مقاطعة الانتخابات أو الورقة البيضاء، ليس كرفض لمبدأ الانتخابات، ولكن كآخر رفض لابتزاز «حزب الله» وعنفه اللبناني والسوري. هذا ليس بالضرورة خياراً يبنى من حوله مشروع سياسي، بل أهميته تكمن في وجوده كطرح، أي أنه ما زال هناك «آخر» للعهد، وإن كان مُشكّلاً من «بقايا». فقد تكون فئة «البقايا» اليوم أهم من أي مشروع سياسي وهمي يقوم على تطبيع العنف.

أن تكون هناك ورقة بيضاء واحدة في صندوق انتخابي ما في لبنان فذاك موقف سياسي قد يكون أهم اليوم من أي خطاب أو حملة أو حتى خرق انتخابي.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
البرازيل بعد الأرجنتين قد تعلن «حزب الله» منظمة إرهابية
«صفحة جديدة» بين عون وجنبلاط
لبنان: احتدام السجال حول التوازن الطائفي يعيد طرح «الدولة المدنية»
العقوبات الأميركية على حلفاء «حزب الله» رهن «التوقيت المناسب»
مرحلة سياسية جديدة مع عودة الحريري والأولوية للوضع الاقتصادي
مقالات ذات صلة
"لا يا حبيبي"... لا يا حفّاري قبرشمون...- سليم معوض
إحباط انقلاب في لبنان! - حازم صاغية
المطران ميشال عون يعيدنا إلى العام 1277 - أنطوان قربان
تفسير الدستور شأننا جميعاً: في الترفّع عن سجال ٍعقيمٍ - شبلي ملاّط
لبنان: مَن يبدد هواجس الانهيار؟ - سام منسى
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة