الأحد ١٨ - ٢ - ٢٠١٨
 
التاريخ: شباط ١٣, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
بلدان عدّة في المنطقة ستجري انتخابات يمكن تفاديها لأنّها لا تغيّر الكثير في أساسيّات الحكم والحاكميّة، ولا في الحياة الاقتصاديّة للسكّان. مع هذا فالأمر في لبنان أدهى وأمرّ والحاجة إلى التفادي أكبر. ففجر السبت الماضي اكتشف اللبنانيّون أنّهم يجلسون على بركان: حرب إيرانيّة– إسرائيليّة قد تندلع فوق رؤوسهم ورؤوس السوريّين. لكنْ هل تستطيع أيّة قوّة سياسيّة تتهيّأ للانتخابات المقبلة، حتّى لو نالت الأكثريّة النيابيّة، أن تنهي احتمالاً كهذا؟ أن تحيّد اللبنانيّين عن خطر كهذا؟

الجواب لا قاطعة.

قبل الطائف، كانت الانتخابات تؤثّر في السياسات العليا. في 1957 أريد منها، فضلاً عن التجديد لكميل شمعون، تشريع الانعطافة الكبرى نحو السياسات الغربيّة. في 1960 و1964 أريد منها، فضلاً عن التغطية على سلطات «المكتب الثاني»، تشريع الانعطافة الكبرى نحو الناصريّة. في 1968، حين حقّق «الحلف الثلاثيّ» انتصاراته، أريد منها إعادة التوازن إلى السياسة العربيّة للبنان والانتصار للجيش طرفاً مسلّحاً وحيداً فوق أراضيه.

ولأنّ الانتخابات كانت تؤثّر فإنّها كانت تُزَوّر كي يصبّ تأثيرها في الهوى السياسيّ لرئيس الجمهوريّة. لقد كانت تُزوّر لأنّ البرلمان كان يستطيع أن يعطّل الإرادة الرئاسيّة التي تدافع عن نفسها بوسائل غير ديموقراطيّة. الوصول إلى انتخابات تؤثّر من دون أن تُزوّر هو ما لم يبلغه لبنان إلاّ نادراً. انتخابات 1968 و1972 تندرج في هذا النادر الذي ما لبثت أن ابتلعته الحرب.

أغلب الظنّ أنّ اللبنانيّين ينتظرون اليوم انتخابات لن تُزوّر، لا لأنّ القيّمين عليها لا يزوّرون، بل لأنّ الانتخابات لا تؤثّر. السياسات العليا الدفاعيّة والخارجيّة، وإلى حدّ بعيد الاقتصاديّة والماليّة، لن تتغيّر. سلاح حزب الله باق ويتمدّد.

منذ صار للبنان عقيدة رسميّة، في زمن الوصاية السوريّة، لم تعد الانتخابات تغيّر في الأساسيّات. «عروبة لبنان» و «سلاح حزب الله» صارا ممّا لا تمسّه الإرادة الشعبيّة. الاستثناء المحدود شكّله رفيق الحريري: كان ينبغي أن لا يصل إلى البرلمان على رأس كتلة قويّة كي لا يغدو البرلمان قادراً على التأثير. صحيح أنّ الحريري لم يملك الطاقة أو الشجاعة اللتين تجعلانه يتحدّى «عروبة لبنان» و «سلاح حزب الله»، لكنّ قوّته هدّدت بالتمهيد لإحياء وزن البرلمان. هذا مرفوض. بالتدريج، ومع نجاحات حزب الله وانتكاسات 14 آذار، أعيد الاعتبار إلى معادلات عهد الوصاية. واليوم، حتّى الاغتيالات ومعها المحكمة الدوليّة لم تعد تُذكر. لقد صارت الانتخابات النيابيّة أقلّ سياسيّة من الانتخابات البلديّة.

تبقى مسائل أربع: -إذا كانت الحرب تعطّل السياسة، فالسلاح غير الشرعيّ يعطّل الانتخابات ويلغي نتائجها سلفاً. إنّه يضع البلد في حالة حرب محتملة في أيّة لحظة، من دون أن تكون للسياسة ولـ «إرادة الشعب» عبر ممثّليه المنتخبين أيّ رأي فيها.

-الاستقرار الحاليّ، الذي قد ينقلب في أيّة لحظة إلى نقيضه، لا علاقة له بالانتخابات. لا البرلمان هو الذي أتى به ولا غياب البرلمان ما يذهب به.

-نعم، هناك فساد كثير في لبنان. لكنّ الفساد الأوّل والأكبر هو ازدواج الدولة والسلاح. في ظلّه تنمو أشكال الفساد الأصغر وتزدهر. من ينوي محاربة الفساد الأصغر، في ظلّ العجز عن وضع حدّ للفساد الأكبر، سينتهي به الأمر فاسداً شابّاً ينضمّ إلى فاسدين مسنّين.

-صحيح أنّ هناك أجيالاً تكبر، وطموحات مشروعة تتبلور. النسبيّة الجزئيّة التي استجدّت على القانون الانتخابيّ قد تتيح لهم ما لم يكن متاحاً قبلاً.إذاً، وكما يقال بنبرة دعائيّة: فلنسمع صوت «المجتمع المدنيّ». فلنرَ أصحاب الشهادات العليا في البرلمان. علينا بالشباب. الخبرات. الكفاءات. التجديد. لقد مللنا القديم. مللنا «الإقطاع» و «قادة الطوائف».

للأسف، هؤلاء سيكونون أضعف من «الإقطاع وقادة الطوائف» في التصدّي لأساسيّات الوضع اللبنانيّ. إنّهم لن يستطيعوا تغيير»الوضع» إلى الأحسن، وإن كان في وسعهم أن يغيّروا أوضاعهم هم إلى الأحسن. وجوههم الشابّة وشهاداتهم العلميّة وخبراتهم ستكون الديكور اللازم لدولة حزب الله. تجديد الديكور جيّد دائماً.

وقد نحتمل يقظة العصبيّات الطائفيّة من أجل انتخابات تغيّر وتعلّم المواطنين السياسة. أمّا أن يقتصر «الكسب» على تلك اليقظة، ومعها حبّة الكرز فوق قالب الحلوى، أي شبّان «المجتمع المدنيّ» وشابّاته، فهذا كثير جدّاً.

فلماذا نصوّت في انتخابات كهذه؟ حقّاً لماذا؟


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
لبنان يردّ تسوية أميركية لحقل الغاز ونصرالله يحض على رفض «التهويل»
لبنان: إسقاط "خط هوف"... ونصرالله يهدّد
لبنان يتقدم في مؤشر حكم القانون ويتراجع في مؤشر غياب الفساد
تيلرسون: «حزب الله» زعزع استقرار المنطقة
تمديد شبكة اتصالات «حزب الله» يثير قلق سكان الرميلة
مقالات ذات صلة
تيلرسون وترويكا النأي بالنفس - وليد شقير
ورشة انتخابية مع نعيم قاسم - سامر فرنجيّة
المعاكسات الأميركية - الروسية... إلى لبنان؟ - وليد شقير
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
باسيل ... قاهر الممانعة ورجلها - حازم الامين
Editor In Chief & Webmaster : Nazih Darwish
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة