الأحد ١٨ - ٨ - ٢٠١٩
 
التاريخ: شباط ٧, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
الجميع في عجلة من أمره في العراق استعداداً للانتخابات المقبلة، التي من المفروض أن تحدد شكل وتوجهات الحكومة العراقية المقبلة التي من المفروض أن تتصدّى لمعالجة جملة من القضايا، منها: تطبيع العلاقة بين بغداد وأربيل، وأسباب ونتائج الفساد المرعب الذي يبتلع القسم الأعظم من إمكانات البلد. وتأمين المستلزمات الأساسية للعيش الكريم للمواطنين، والحد من تغلغل النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة والمجتمع العراقيين، والعمل من أجل أن يكون العراق ساحة للتواصل، وأساساً للتفاهم بين مختلف القوى الإقليمية. وكل هذه المهمات تتطلب وجود عقلية وطنية مسؤولة، قادرة على التعامل مع الجميع بمنطق رجل الدولة البعيد النظر.

فعلى صعيد العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان مثلاً، لابد من البحث عن الحلول لا إثارة المشكلات، أو خلقها وتعقيدها؛ هذا إذا كانت هناك إرادة حقيقية لبناء دولة قوية متماسكة، يشعر الجميع بأنها لهم وبهم، من دون أي تمييز أو تهميش. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل حقيقة أن العلاقة لم تكن طبيعية في يوم من الأيام. ولم يتم الالتزام بالدستور الذي يدعو الجميع الآن إلى العودة إليها كمخرج، وذلك من مواقع متباينة، وبتفسيرات متنافرة.

أما بالنسبة إلى موضوع الاستفتاء، فقد كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فالحكومة العراقية الموجهة إيرانياً، كانت تنتظر اللحظة المناسبة للانتقام من الإقليم الذي رفض منذ البداية السير في ركاب السياسة الإيرانية في المنطقة، ولا سيما في ما يتصل بالملف السوري. وإنما حرص على العلاقات المتوازنة مع القوى الإقليمية الفاعلة، حفاظاً على مصالح الإقليم، التي من المفروض أنها جزء أساسي وطبيعي من مصالح العراق الوطنية.

وقد دفع الإقليم، ممثلاً بشخص الرئيس مسعود البارزاني، ثمناً باهظاً لموقفه المعتدل هذا. ولا يمكننا في هذا المجال، أن نفصل بأي حال من الأحوال بين الهجوم الداعشي الذي تعرض له، وبين إصراره على استقلالية القرار في لعبة الاستقطابات الإقليمية.

كما أن تجميد البت في موضوع المناطق «المتنازع عليها»، وقطع الموازنة عن الإقليم، كل ذلك، وغيره، كان من العوامل التي دفعت بقيادة الإقليم إلى اتخاذ قرار الاستفتاء، الذي يظل من الناحية المبدئية حقاً مشروعاً، لا يمكن أي قوة أن تلغيه، أو أن تعتمده ذريعة لاتخاذ المزيد من الإجراءات الانتقامية الكيدية، كما فعلت الحكومة العراقية. وهي إجراءات تخدم المشروع الإيراني في المقام الأول، يتكىء عليها العبادي أملاً بتحقيق «نصر» انتخابي، من دون أخذ مصلحة العراق الوطنية في الاعتبار، هذا بصرف النظر عن الشعارات المرفوعة.

وما حدث في كركوك ليلة السادس عشر من تشرين الأول(ديسمبر) 2017 يؤكد ذلك، فقد خانت بعض القوات الكردية الإقليم، كما خانت قوات الحشد الشعبي العراق، ونسقت مع الإيرانيين الذين سيطروا على كركوك. وركب السيد العبادي الموجة، ليعطي انطباعاً زائفاً فحواه أن ما حصل كان بناء على أوامره، هذا في حين أن الوقائع كلها تدحض هذا التوهّم، وتؤكد مدى ضخامة حجم وعمق التأثير الإيراني في اتخاذ القرارات السياسية والميدانية.

ولعل التحالف الذي أعلن عنه بين كتلة العبادي وكتلة العامري، على رغم الانسحابات التي حدثت لاحقاً، يثبت ذلك، فالقائمون على هذا التحالف يحاولون استعادة أو استنساخ تجربة حزب الله في لبنان. وما نعنيه بذلك هو أن تتحوّل قوى ميليشياوية مرتبطة مباشرة مع إيران، إلى قوة سياسية متغلّغلة في البرلمان والحكومة، وسائر مؤسسات الدولة الأخرى، الأمر الذي يؤسس لتبعية عضوية، لا تتقاطع من بعيد أو من قريب مع مصلحة المشروع الوطني الذي يبدي الجميع إعلامياً حرصهم عليه.

أما بالنسبة إلى موضوع الفساد، فهو آفة الآفات التي تنخر في مقدرات الدولة العراقية، وتتسبب في حرمان المواطنين العراقيين، في سائر المناطق، من أبسط مستلزمات العيش الكريم، مثل الخدمات الأساسية: كهرباء ومواصلات واتصالات. إلى جانب التعليم والعمل والصحة والسكن والضرورات المعيشية الأخرى.

وقد بات الشرخ بين الفئات المندمجة في المشاريع السياسية الحزبية العصبوية، وبين القطاع الأوسع من المواطنين العراقيين في كل المناطق كبيراً وعميقاً، ما سيؤدي إلى المزيد من الاضطراب المجتمعي، والاستقطاب المذهبي والقومي، وليس بعيداً ظهور أشكال جديدة من التطرف والتشدد، يستغلها متعهدو الحركات الإرهابية لمصلحة مآرب ومشاريع لا تريد الخير للعراق وأهله.

مشكلات العراق قديمة ومتراكمة. كما أن التداخلات بينها والمشاريع الإقليمية والمصالح الدولية قديمة هي الأخرى. وحل هذه المشكلات لن يكون بالاندماج في مشروع إقليمي في مواجهة المشاريع الآخرى. بل يكون عبر حوار عراقي – عراقي واسع. يأخذ قبل كل شيء المصالح العراقية في الاعتبار على أساس احترام الخصوصيات والحقوق، ومن دون أي تمييز أو إبعاد. وحوار كهذا من شأنه أن يؤدي إلى تفاهمات وتوافقات بين العراقيين أنفسهم، تكون أساساً للنهوض بالعراق لمصلحة أهله، وبالتناغم مع الجهود الرامية إلى تحقيق التوازن في المعادلات المختلّة في المنطقة، وفي مقدمة هذه المعادلات، المعادلة الخاصة بالدور الإيراني في العراق، هذا الدور الذي كان قاعدة للتدخل السافر في المنطقة بأسرها.

الجميع في انتظار تبلور خارطة التكتلات السياسية التي ستتنافس على مقاعد البرلمان في الربيع المقبل، ما لم يتم التأجيل، وطبيعة القوى التي ستفوز بالنصيب الأكبر من المقاعد، وماهية مشاريعها.

وحتى ذلك الحين، ستكون هناك خطوات تكتيكية من جانب مختلف القوى من أجل كسب المزيد من الوقت والأنصار. فالعبادي سيحاول مثلاً إعطاء انطباع بأنه يتفاوض مع الإقليم لإيجاد الحلول لجملة المشكلات القائمة بينهما، في الوقت الذي سيستمر في مساعيه التحالفية مع أولئك الذين هم جزء أساسي من المشكلة.

كما أن المالكي سيعمد إلى إيجاد تفاهمات مع خصوم الأمس ليعزز من فرصه. بينما ستسعى الكتل الأخرى من كردية وسنية وعابرة للطوائف من أجل ترتيب أوضاعها الداخلية؛ وبناء تحالفات براغماتية مع الأكثر استعداداً لتفهم وتلبية مطالبها.

وما يُستنتج ويتوقع من كل ما يجري لا يوحي بقرب الفرج. وإنما الأقرب هو أننا سنشهد عملية إعادة هيكلة للقوى العراقية التقليدية ضمن الإطار نفسه، وهذا معناه أن مشكلات البلد ستظل في انتظار حلٍ ما زال في دائرة التمنيات. 

* كاتب سوري.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
موجة استنكار ضد رجل دين عراقي مقرب من إيران
«حرب تصريحات وتغريدات» سنية ـ شيعية حول الجثث المجهولة في العراق
لجنة عراقية للتحقيق في حادثة ملابسات معسكر الصقر ببغداد
تضارب الروايات حول استهداف مخزن سلاح لـ«الحشد» في بغداد
الحكومة العراقية تواجه انتقادات مرجعية النجف والكتل السياسية
مقالات ذات صلة
بغداد - أربيل : العَودُ أحمدُ - شيرزاد اليزيدي
هل تضمد زيارة البابا جراح مسيحيي العراق؟ - جورج منصور
أربعة عقود على رحيل محمد شرارة: شاهَد الديكتاتورية ولم يشهد تفتت العراق - بلقيس شرارة
هل كان عباس الكليدار آخر العمالقة العراقيين؟ - حميد الكفائي
بين الدولة العراقية و"الدولة الموازية" المقترحة - مشرق عباس
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة