الثلثاء ١٧ - ٧ - ٢٠١٨
 
التاريخ: تشرين الثاني ١٤, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
حين تكون الهزيمة خيراً من «الانتصارات» - حازم صاغية
بعد هزيمة 1967 «أمام الإمبرياليّة والصهيونية»، شرع الفكر القوميّ العربيّ يكيّف نفسه مع أفكار أخرى، خصوصاً منها الماركسيّة بتنويعاتها. أحزاب قوميّة صارت تعتنق «نظريّة الطبقة العاملة». أحزاب أخرى صارت تكتشف أنّ زعماءها الفاشيّين كانوا في حقيقة أمرهم يساريّين. التمييز بين اليهوديّة والصهيونية صار شائعاً، وكذلك الطلب على «دولة ديموقراطيّة علمانيّة» في فلسطين. حتّى الإرهاب وخطف الطائرات ممّا كان يُمارَس، صار يُغطّى بيافطة «أمميّة».

القوميّون العرب الذين لم يتأثّروا بماركسيّة ما، أحسّوا أيضاً بنقص في فكرهم القوميّ. اكتشفوا ضرورة «الانفتاح على الآخر» و «محاورة الغرب» و «كسب الرأي العامّ العالميّ».

هزيمة 1967 أشعرت هذه الفئة بأنّها لا تستطيع الاكتفاء بذاتها، أنّ ذاتها في حاجة لاستكمال نفسها بذوات أخرى. ما اختارته تلك الفئة، كبديل من قوميّتها القديمة، ربّما انطوى على أخطاء فادحة. ربّما نمّ عن تسرّع في توهّمه العثور على بديل. إلاّ أنّه دلّ أيضاً على شعور صحّيّ ولو أخطأ سبيله. أحد الدوافع أنّ زعيم هذه الجماعة، أي جمال عبد الناصر، كان قد مني بهزيمة كبرى. لهذا استنتج هؤلاء عكس ما استنتجه الإسلاميّون الذين لم يروا في عبد الناصر إلاّ عدوّاً. الأخيرون طالبوا بمزيد من العودة إلى الذات. بتطابق معها. بعيش فيها.

بعد نصر الثورة الإيرانيّة في 1979 «على الإمبرياليّة والصهيونيّة» بدأ يحصل ما هو معاكس لوجهة القوميّين بعد 1967. بدأت إيران تحقّق الرغبة التي أبداها الإسلاميّون العرب بعد الهزيمة: المزيد من الدخول في الذات. المزيد من صدّ العالم والآخر والخارج.

ما بدأ حينذاك اكتمل اليوم. نرى ذلك في المواقف المتشنّجة والمتراجعة على كلّ صعيد. القوميّ الذي استحى، بعد 67، بقوميّته القديمة، عاد يشرب من مائها. اليساريّ الذي كان يأنف من العنصريّة واللاساميّة بات يستلهمهما ويتحالف مع دعاتهما. الشيوعيّ الذي كان يتنصّل من الستالينيّة صار لا يتردّد في تمجيد ستالين. النقد لم يعد ثقافيّاً فحسب، بل صار جوهريّاً محضاً: أميركا لم تعد الإمبرياليّة، بل ذبح الهنود الحمر الذي لا يكفّ عن التكرار. إسرائيل لم تعد الصهيونيّة بل هي الشرّ اليهوديّ المستطير. السلام لم يعد همّاً يُراد بلوغه بعد تحسين شروطه، بل صار شيئاً كريهاً اليوم وغداً وفي كلّ آن. أطفالنا «الأشبال» كلّهم آلهة حرب. فلاديمير بوتين ورجب طيّب أردوغان وعلي خامنئي لم يعودوا خصوماً أيديولوجيّين. صاروا حلفاء قوميّين ودينيّين وطائفيّين. الأكراد لم يعودوا أصحاب حقّ في تقرير المصير بل صاروا أعداء انفصاليّين.

فشل اتّفاقيّة أوسلو. المنحى المتزايد التطرّف في إسرائيل. عجز الوضع العربيّ عن إحداث أيّ تقدّم أو اختراق على أيّ صعيد... كلّها ساهمت في هذا. اليوم، تضيف هزيمة الثورات مساهمتها الكبيرة أيضاً. لكنْ يبقى، على العموم، أنّ هزيمة 1967 كانت فاضلة بقياس «الانتصارات» التي تتكاثر اليوم، وعلى الجبهات جميعاً، لكي تغطّي الانكسارات على الجبهات جميعاً. لنلاحظ مثلاً أنّ أحداً لا يستخدم تعبيراً كـ «نكسة» أو «نكبة» في وصف الدمار النازل اليوم ببلدان ومدن عربيّة كثيرة، أو في وصف اللجوء الجماهيريّ الذي يضرب العرب. المزيد من الانهيار في المنطقة، وهو وشيك على الأرجح، سيقودنا إلى حفرة أعمق ووعي أتفه و «انتصارات» أكثر.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
بومبيو: ملتزمون إنهاء التهديد الإيراني ومنع إغلاق مضيق هرمز
الصين تعبّد «الطريق إلى الشرق الأوسط» بعشرين بليون دولار قروضاً و15 مليون دولار مساعدات إلى فلسطين
مسيحيو الشرق في مواجهة نزاعات إقليمية وهجمات جهادية
البحريّة الأميركيّة تردّ على تهديدات إيران: سنحمي مضيق هرمز
سليماني:«الحرس الثوري» جاهز لتعطيل صادرات النفط من المنطقة
مقالات ذات صلة
ترامب بوصفه طبعة ثانية من تافت - محمد سيد رصاص
القوى العالمية الناشئة تصون هوياتها الثقافية برفض الديموقراطية الليبرالية - موريس غوديلييه
الشرق الأوسط والبحث عن نقاط ارتكاز - فريد الخازن
خياران لا قمّتان - حازم صاغية
عن أحوال تركيا وأحوال العالم - حازم صاغية
Editor In Chief & Webmaster : Nazih Darwish
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة