الأثنين ١٨ - ١٢ - ٢٠١٧
 
التاريخ: نيسان ١٩, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
مهمات صعبة تواجه هيئات تنظيم الإعلام المصري - محمد شومان
نص الدستور المصري، الذي صدر في كانون الثاني (يناير) 2014، على تشكيل ثلاث هيئات مستقلة لتنظيم أوضاع الإعلام والارتقاء به، ومنع الاحتكار وتنظيم منح الرخص وإدارة إعلام الدولة، لكن لم يصدر قانون لتفعيل ما جاء في الدستور إلا في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ومع ذلك استمر الحديث والتفكير في آليات تنفيذ القانون والأسماء المرشحة لعضوية الهيئات الثلاث لمدة أربعة أشهر، إلى أن حسمه الرئيس عبدالفتاح السيسي الأسبوع الماضي، وأعلن عن أسماء رؤساء الهيئات الثلاث وأعضائها (13 عضواً لكل هيئة).

تسمية أعضاء الهيئات الثلاث جاءت بعد يوم واحد من تفجير الكنيستيْن وبعد أن وجه السيسي انتقادات للتغطية الإعلامية المكررة والمبالغ فيها لبعض القنوات التلفزيونية، والتي أغرقت المشاهدين في مشاهد الدماء وأشلاء الضحايا من دون مراعاة لمشاعر الرأي العام وأحزان أهالي الشهداء والجرحى. وأظن أن الإسراع بإعلان أسماء الهيئات الثلاث له ما يبرره، فقد تأخرت عملية تنظيم الإعلام المصري وإعادة هيكلته منذ 30 حزيران (يونيو) 2013 لأسباب كثيرة بعضها سياسي وبعضها إعلامي وبعضها بيروقراطي يتعلق باستيفاء الجوانب الإدارية والإجراءات اللازمة لصياغة قانون عمل الهيئات الثلاث وطرق عملها والعلاقة بينها. ومهما كانت أسباب التأخير فإنه لم يكن مبرراً أو مفهوماً بالنظر إلى سوء أداء الإعلام المصري في أغلبه وتراجع مستويات المهنية والمسؤولية الاجتماعية، فضلاً عن تراجع صدقيته وقدراته التأثيرية.

لكن الإسراع بتسمية أعضاء الهيئات الثلاث وبدء عملها بالتزامن مع فرض حالة الطوارئ يثير العديد من المخاوف في شأن حرية الإعلام كما يخلق الكثير من المشكلات القانونية والإجرائية واللوجيستية والتي لا بد من سرعة حلها، وإلا ستتحول الهيئات الثلاث إلى أجهزة بيروقراطية ليس لها تأثير أو فاعلية وستصبح عبئاً على الدولة ومادة في الصحافة للتندر والسخرية، ولعل أهم تلك المشكلات هي:

أولاً: صدر قانون الهيئات التنظيمية الثلاث (التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام) في كانون الأول الماضي ومع ذلك لم تصدر لائحة تنفيذية توضح صلاحيات كل هيئة من الهيئات الثلاث وعلاقتها ببعضها وآليات عملها، وجاء الإسراع ببدء عمل الهيئات الثلاث ليخلق أوضاعاً ومشكلات إجرائية ولوجيستية صعبة، فكيف يمكن لكل هيئة العمل من دون وجود لائحة تنفيذية، وبخاصة أن القانون ذاته أحال توضيح كثير من الإجراءات إلى اللائحة التنفيذية؟ من جهة أخرى، فإنه لا توجد مقار أو هياكل إدارية مساعدة لكل هيئة، حيث فوض القانون لكل هيئة وضع قواعد عملها وأنظمتها الإدارية. من هنا فقد ساد الارتباك والصراع على بدايات عمل الهيئات الثلاث ودار صراع بين المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للإعلام (تختص بإدارة الإذاعة والتلفزيون المملوك للدولة)، حيث بادر رئيس الهيئة بالسيطرة على مقر وزارة الإعلام لأنها داخل مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي يفترض أنه سيديره، بينما اعتبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام أن هذا المقر من حقه باعتبار أن سلطات المجلس أوسع وأعلى من سلطات الهيئة.

ثانياً: مشكلة الاختلاف حول قانون الهيئات التنظيمية الثلاث واختيار أعضائها، فقد سبق لنقابة الصحافيين ونقابة العاملين في الإذاعة والتلفزيون تشكيل لجنة من خمسين عضواً اقترحت في أيلول (سبتمبر) 2015 مشروع قانون موحد لتنظيم أوضاع الصحافة والإعلام السمعي والبصري مكون من قسمين: الأول عن حقوق وواجبات الصحافيين والإعلاميين، والثاني يتناول صلاحيات وتشكيل الهيئات الثلاث وهي المجلس الأعلى للإعلام وهيئة للصحافة، وهيئة للإعلام (الإذاعة والتلفزيون)، وتختص الهيئتان الأخيرتان بتنظيم وإدارة الصحافة والتلفزيون والإذاعة المملوكة للدولة. لكن البرلمان لم يأخذ بما جاء في مشروع قانون لجنة الخمسين وأدخل عليه تعديلات واسعة، حيث اقتصر القسم الثاني من المشروع على صلاحيات وأهداف الهيئات الإعلامية الثلاث ولم يتطرق الى حقوق وواجبات الصحافيين والإعلاميين. ووعد البرلمان بإصدار قانون جديد منفصل بحجة أن الدستور ينص على ضرورة عرض القوانين الخاصة بتنظيم أوضاع الصحافيين والإعلاميين على الهيئات الثلاث، وهكذا صدر قانون الهيئات التنظيمية الثلاث بعد أن وسع من سلطات الرئيس في اختيار أعضائها، ومنحه حق تسمية رؤساء الهيئات للسلطة التنفيذية وغالبية أعضائها. وبغض النظر عن أسباب تقسيم القانون الموحد للصحافة والإعلام إلى قسمين والبدء بإنشاء الهيئات الثلاث المنظمة للإعلام، فإن من الضروري سرعة إصدار قانون يغطي حقوق وواجبات الإعلاميين، لأن من غير المنطقي استمرار المشهد الحالي في الصحافة.

ثالثاً: هناك مخاوف مشروعة في شأن استقلالية الهيئات الثلاث ومن احتمال تأثر أعضائها بحالة الطوارئ التي فرضتها الحرب على الإرهاب، وبالتالي قد يصدرون أحكاماً ويفرضون قواعد تضيّق من حرية الاتصال والإعلام، بخاصة الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

رابعاً: مشكلة عدم التوازن في عضوية الهيئات الثلاث، حيث ضمت خليطاً من الصحافيين والإعلاميين وممثلين لهيئات حكومية وللقضاء وأساتذة الإعلام في الجامعات، ولا يوجد بين هؤلاء ممثل للمعارضة، وكان كثير من أعضاء الهيئات الثلاث من القيادات السابقة في الحزب «الوطني» وممن تقلدوا مناصب عليا في الصحافة والإعلام إبان حكم الرئيس مبارك، كما لم تتمثل الصحافيات في هيئة الصحافة، وغاب الشباب عن عضوية الهيئات الثلاث، فكل الأعضاء فوق الخمسين وربما أكبر، بينما نص قانون إنشاء الهيئات الثلاث على شرط توافر خبرة عملية لا تقل عن 15 سنة، ومعلوم أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة يمثلون غالبية العاملين في الصحافة والإعلام المصري. إضافة إلى ما سبق فقد شابت اختيار ممثلين عن نقابة الإعلاميين في الهيئات الثلاث مخالفات صريحة لا بد من علاجها، حيث ينص قانون هذه الهيئات على أن لنقابة الإعلاميين ممثلين في الهيئات يقوم مجلس إدارة النقابة بترشيحهم ويختار رئيس الجمهورية نصفهم، لكن النقابة لم تتشكل وبالتالي لم ينتخب الأعضاء مجلس الإدارة، وتم الاختيار على أسس غير واضحة ومخالفة للقانون.

خامساً: المشكلة الأخيرة تتمثل في عدم وجود قواعد أو تقاليد لعدم تضارب المصالح، فكثير من أعضاء الهيئات الثلاث يعملون في الصحافة والإعلام وبعضهم رؤساء تحرير ومقدمو برامج، وبالتالي ليس من المنطقي أن يمثلوا المجتمع في تنظيم الإعلام وحماية الحقوق الاتصالية للمواطنين وفي الوقت نفسه يمارسون المهنة، أي أنهم سيمثلون الحكم والخصم، لذلك اشترطت بعض التجارب الدولية في التنظيم المؤسسي للإعلام أن يمتنع أعضاء الهيئات التنظيمية عن العمل في الإعلام أثناء فترة عضويتهم، بينما لم يشترط القانون المصري ذلك وإنما حظر على الأعضاء القيام بأي عمل يتعارض مع استقلال المجلس من دون أن يحدد هذا العمل أو ظروفه.

وأخيراً يمكن إيجاد حلول للمشكلات السابقة شرط توافر الإرادة السياسية وحسن النيات، إضافة إلى إشاعة مناخ من الثقة بين الهيئات الثلاث والصحافيين والإعلاميين، ولا شك في أن مسألة الثقة يمكن اكتسابها ودعمها من خلال الممارسة التي يفترض أن تؤكد استقلال الهيئات الثلاث وحرصها على حرية الإعلام وضمان شفافية التمويل ومنع الاحتكار ووضع مواثيق شرف إعلامي وحماية حقوق المواطنين الاتصالية والإعلامية.

* كاتب مصري


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
مشروع قانون أمام البرلمان المصري لـ «ضبط» مواقع التواصل الاجتماعي
مصر: أجواء انتخابات رئاسية محمومة ... والقدس تفرض نفسها
أحمد شفيق «يرتب أوراقه» ويظهر قريباً
سجن ضابط مصريّ بعدما أعلن ترشّحه للرئاسة... أحمد قنصوة متّهم بـ"السّلوك المضرّ"
شفيق يصل إلى القاهرة بشكل مفاجئ
مقالات ذات صلة
هل ينبعث "القرآنيون" في مصر من الرماد مجددا؟
النخبة المصرية وتغيير المجال العام - عزمي عاشور
الدولة المصرية بين الصين وفيتنام - عبدالمحسن سلامة
إشكالية المساعدات العسكرية في علاقات مصر مع أميركا - بشير عبدالفتاح
النخبة المجتمعية المصرية وتغيير المجال العام - عزمي عاشور
Editor In Chief & Webmaster : Nazih Darwish
حقوق النشر ٢٠١٧ . جميع الحقوق محفوظة