الجمعه ١٨ - ١٠ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آب ١٦, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"لا يا حبيبي"... لا يا حفّاري قبرشمون...- سليم معوض
لمقدمة هذه المقالة تاريخ. فهذه ليست بالمرة الأولى التي ابدأ بكتابة هكذا مقالة كي أجد نفسي ممتنعاً عن إتمامها امام تعليق الزملاء والاصحاب تحت حجة: "شو باك دايماً بدك تنبش القبور؟". هكذا كانت تنتهي المحاولة منذ أكثر من عشر سنوات. لكن ليس هذه المرة. اما الموضوع فليس له تاريخ نفاذ في بلد مثل لبنان. الحرب، الماضي، العدالة الانتقالية، الحاضر والذاكرة وما بينهم من سياسيين متلاعبين بمثل هذه المفاهيم. تلك مفاهيم لم ولن يتمكنوا من فهمها لأسباب عدة وأهمها كون البعض منهم جزءاً من المعضلة. فمنهم المرتكب وليس اقلهم الوريث. أما السبب الكامن وراء المحاولات الأولى لكتابة هكذا مقالة، كان ولم يزل، محاولة التلاعب بذاكرة الحرب الاهلية من قبل البعض، والهادفة للتجييش الطائفي بغية الوصول الى الزعامة من خلال الاستعظام وتظهير الجماعة بصورة المستضعف.

زار رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل منطقة الجبل في الثلاثين من حزيران 2019، ادلى بجملة تصاريح واسترجع، وعلى عادته، الماضي واحداثه العنيفة وغير المعالجة بطريقة علمية. بدأ حديثه بلهجة استفزازية مستعملاً عبارة "لا يا حبيبي…". استفِز البعض من استرجاع ذاكرة تلك الاحداث فوقع المحظور ووقع معه قتيلان في البساتين-قبرشمون. ما زال التحقيق المتعسر ساريا، وما علينا سوى الانتظار! لكن كيف لنا تحليل هذه الظاهرة؟

الذاكرة، الهوية السياسية والمطابقة الاجتماعية

يشدد علم النفس الاجتماعي وعلم المجتمع ان الذاكرة ليست فعلا فرديا انما عملية متصلة بالتفاعل الاجتماعي وخاضعة لحيثياته وضغوطاته. من الانطباعات السائدة في لبنان خضوع المواطن لتلاعب النخب السياسية بمصيره ومفاصل حياته العامة والخاصة، الماضية والحاضرة وحتى المستقبلية. لكن الاستثناء وارد حيث تنقلب الآية لنشهد امكانية تلاعب المواطن والجماعة بالنخب السياسية والتأثير عليها. يمكن فهم ذلك من خلال مفهوم "المطابقة الاجتماعيةSocial Conformity " في علم النفس الاجتماعي وهي نوع من التأثير الاجتماعي الذي ينطوي على تغيير في المعتقد أو السلوك من أجل التوافق مع المجموعة.

والتطابق هذا نوعان، "خاصPrivate Conformity " ملتصق "بالفرد" و"عامPublic Conformity " ملتصق "بالجماعة". تنسحب "المطابقة الاجتماعية" على الكثير من مفاصل الديناميكيات المجتمعية اللصيقة بالفرد والجماعة ومنها الذاكرة. يحدث "التطابق الخاص" عندما تتوافق ذاكرة الفرد مع تلك الخاصة بالمجموعة التي تأكد وتعزز ذاكرته وتثبت احقيتها وصوابها. اما "التطابق العام" فهو نتيجة الاختلاف حول تفاصيل وحيثيات الذاكرة بين المجموعة والفرد ليجد هذا الأخير نفسه مجبراً لتبني ذاكرة المجموعة ليتم ذلك تحت الضغط المجتمعي او لأهداف محض شخصية من قبل الفرد. وبالتالي فللمجموعة تأثير سلبي او إيجابي على مسار الذاكرة. يكون التأثير إيجابياً إذا طالبت المجموعة بالحقيقة العلمية واعادت النظر بذاكرتها لتحولها من انطباعات خاصة الى حقيقة علمية وعامة. هذه من اهم أسس التعاطي مع الماضي العنيف والانتقال نحو السلم المستدام والتي لم يتمكن المجتمع اللبناني من تحقيقها بعد أكثر من ثلاث عقود على انتهاء الحرب. اما التأثير السلبي، وهو الحالة الشائعة في لبنان، فيتمثل بتبني المجموعة لذاكرة خاصة بها، واحادية مفصلة على مقاسها، وتهدف لصون مصالحها بغض النظر عن الحقيقة العلمية.

عند الكلام على ذاكرة الماضي العنيف في فترة ما بعد النزاع، وعندما يكون الفرد هو الزعيم، حامي المجموعة، يتحول أي استحضار للذاكرة اللصيقة بأحداث الماضي من قبل هذا الفرد الى مسؤولية إن لم تحتكم لعاقل ادت لزعزعة الأمن المجتمعي.

للعودة الى الوضع اللبناني وخصوصية نسيجه المجتمعي، فالصورة تصبح أكثر تعقيداً وخصوصاً إذا ما اخذنا بعين الاعتبار المعالجة الهشة للماضي في فترة ما بعد الحرب والذاكرة الاستنسابية الخاصة بكل مجموعة. امام هكذا واقع، فما على "الزعيم الفرد" سوى التطابق مع المجموعة كي يتمكن من ان يحكم وليكرس نفسه "حامي ومخلص شعبه". فكيف لنا عدم تحميل المواطنين، على مختلف انتماءهم، جزء من مسؤولية ما نشهده من عنف ناجم عن التلاعب بالذاكرة؟

هذه حال الوزير جبران باسيل كسواه من السياسيين الذين لم يتمكنوا من فهم صعوبة معالجة زمن ما بعد النزاع وما يترتب عليه من مصالحات اقل ما يقال فيها الاستحالة او الهشاشة كما هي حال مصالحات الجبل القابلة للانهيار عند أي طارئ. لكنه يبقى مع الكثير من مستشاريه ومناصريه وحتى خصومهم، ودون أي إدراك، ضحية الماضي غير المعالج. فليس من السهل على الزعيم المرتكب الإقرار بأخطائه وبعدم دقة ذاكرة جماعته ومن الأصعب على الوريث المتزعم التخلي عن ما تتشبث به جماعته كذاكرة خاصة. فكم كان عمر الوزير باسيل عند وقوع احداث سوق الغرب او احداث السادس من شباط عام 1984 او حادثة الأول من حزيران 1987؟ وكيف للوزير باسيل ان يقدم نفسه مرجعية لتوصيف الماضي وذاكرته استنسابياً وهو الذي لم يتمم السابعة عشرة من عمره يوم انتهاء الحرب اللبنانية؟ وكيف له ان يتلاعب بالصدمة النفسية الاجتماعية الناجمة عن الحرب الاهلية التي المت بالجماعة التي يسعى للتزعم عليها، او سواها، تحت شعار حمايتها من الاخر واسترداد حقوقها؟ ام ان المواطن قد انتصر، ولو لمرة، على نخبه السياسية ونصب الشرك لهم ولنفسه؟

الحدث الصادم، الذاكرة والهوية السياسية

في مجتمع لم يتمكن من معالجة ذيول الحرب الاهلية وتبعياتها في زمن السلم، يحوّل الماضي الى حاضر بدل ان يتحول الى تاريخ قد حدث منذ فترة. ومستحضر هذا الماضي/الحاضر يحاول بناء هوية سياسية فردية وجماعية من خلال التنصيب الشخصي Self-Designation ، للتزعم على جماعة معينة وفرض سيطرته على الاخرين. فبناء الهوية السياسية يمكن ان يرتكز على عوامل عدة منها الحدث الصادم الناجم عن النزاعات والحروب والذاكرة اللصيقة به.

يعرف الطب النفسي الحدث الصادم على انه الحدث الذي يتعرض فيه الشخص او الجماعة، او يشهد الشخص على تعرض شخص اخر او جماعة بالقرب منه، لتجربة الموت الحقيقي او التهديد بالموت او الإصابة الخطيرة او العنف. هذا الحدث يمكن ان يكون من صنع الطبيعة او من صنع الانسان ويولّد ما هو متعارف عليه "بالصدمة النفسية الاجتماعية ". مما لا شك فيه ان المجتمع اللبناني، بمعظم سياسييه من الجيل القديم ومواطنيه، ما زال يعاني من ارتدادات الصدمة النفسية الاجتماعية، وبنسب متفاوتة، والتي لم ينجح احد على معالجتها حتى يومنا هذا. فهل يشكل الوزير جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، أي استثناء لهذه الحالة المرضية الغير معالجة؟ وهل تعرض لحدث صادم نتيجة الحرب كان قد هدد حياته بالموت ام انه ورث الصدمة النفسية، وبطريقة سردية، عن غيره من قياديي التيار الوطني الحر او من الجماعة التي يحاول التزعم عليها؟ ان لم يكن قد تعرض الوزير باسيل لحدث صادم نتيجة الحرب الاهلية إذا هو يتلاعب بمشاعر الخوف لدى الجماعة التي لم تخضع لمسار معالجة الصدمة النفسية الاجتماعية الناجمة عن هذه الحرب. كما ويمكن ان يكون الوزير باسيل، وتبعاً لمفهوم "المطابقة الاجتماعية العامة"، ضحية التأثيرات المجتمعية الممارسة عليه من قبل جماعته الساعية وراء حماية من خطر الأخرى. في كلا الحالتين هناك ضرورة للمعالجة من الصدمة النفسية الاجتماعية التي يمكن ان تكون قد المت بالمجموعة او الفرد المتزعم عليها ومن خلالها، والساعي لفرض زعامته على المجموعات الأخرى.

فهل كان للوزير جبران باسيل القدرة على التزعم لو لم تكن مجموعتة مصابة بصدمة نفسية اجتماعية، غير معالجة، نتيجة الحرب والخوف من الأخرى وساعية وراء من يحميها؟ وهل كان لغيره من السياسيين القدرة على بناء هوية سياسية حديثة ومنفصلة عن مفاعيل الحرب، في بلد انتظامه السياسي والمجتمعي والاقتصادي مبني على الفساد والزبائنية السياسية، واستحالة احقاق الحق دون اللجوء الى تلك النخب السياسية الخائبة؟

من هنا أهمية معالجة الماضي العنيف حتى ولو بعد وقت طويل من حصول الاحداث الصادمة واللصيقة بالحرب. فمعظم سياسيي لبنان صنعوا زعاماتهم او حافظوا عليها او استحدثوها من خلال التلاعب بالصدمة النفسية الاجتماعية التي أصيبت بها مختلف الفئات اللبنانية في فترة الحرب الاهلية. في فترة ما بعد النزاع، وعند انتفاء المعالجة الحقيقية لأحداث الماضي تتحول الذاكرة الخاصة بالحرب لوسيلة تلاعب تضمن السيطرة على المجموعة من قبل "امير الحرب" او "الوريث" تحت شعار حماية الحقوق المسلوبة.

متلاعِب، متلاعَب به ام ضحية؟

تحدد بعض من مراجع علم الاجتماع والنفس الذاكرة كونها معرفة من الماضي وليس بالضرورة معرفة الماضي. فإن أي استحضار لأي حدث من الماضي العنيف، من خلال فترة الحرب وفي مجتمع منقسم لم يتمكن من إتمام مصالحات حقيقية بين مختلف فئاته السياسية والطائفية، قد يعتبر تلاعباً بالذاكرة من الممكن ان يهدد السلم الأهلي الهش. والدليل يبقى حادثة البساتين-قبرشمون وما سبقها من استحضار لأحداث من الحرب الاهلية من قبل سياسي يبحث عن زعامة وتثبيت وجود.

ان التاريخ موضوعي وعلمي، اما الذاكرة فهي شخصية وغير موضوعية. لبنان لم يتمكن من كتابة تاريخه الحديث منذ فترة الحرب الاهلية لأسباب عدة أهمها عدم الإجماع حول مسببات النزاع والمسؤوليات المختلفة والواقعة على عاتق كل من شارك في الحرب من زعماء طوائف او أصحاب ايديولوجيات متضاربة. وبالتالي أي استحضار لأحداث عنيفة من الماضي يبقى في إطار الذاكرة الخاصة، الشخصية والغير موضوعية اذ ان هذا الحدث لم يتم التعاطي مع مسبباته ونتائجه بطريقة موضوعية وعلمية. يكثر الكلام عن الحقيقة ولكن يغيب عن ذهن الكثيرين ان الحقيقة ليست قيمة نسبية بل يجب ان تكون علمية ومثبتة ببراهين حسية كي تقطع الشك باليقين. وبالتالي أي كلام عن حقيقة ما حدث خلال الحرب، دون قرائن وتحقيق جنائي، يبقى في إطار سردي للوقائع ومحض شخصي خاص بجماعة معينة يقابله كلام مناقض خاص بجماعة اخرى. ما يزيد الامر تعقيدا في لبنان مرتبط بطبيعة النزاع خلال الحرب حيث ان الجماعة الواحدة انقسمت على نفسها وأصبح لكل منها حقيقة خاصة شخصية غير متقبلة للحقيقة السردية الخاصة بالجماعة الأخرى. وأصبح لها أكثر من زعيم يتنافس للإبقاء على مصالحه الشخصية بذريعة حماية أبناء جماعته.

الحقيقة والحذاء

يقول الكاتب والفكاهي الساخر مارك تواين: "يمكن أن تسافر الكذبة لتدور حول منتصف العالم بينما الحقيقة ما برحت ترتدي حذاءها". فكم نحن بعيدون في لبنان عن تلك الحقيقة العلمية الخاصة بأحداث الماضي العنيفة؟ وكيف لنخب سياسية التباهي بحماية المجتمع من خطر العودة الى الحرب وهي التي لم تتمكن من إطلاق مسار جدي للتحقيق في قضية قبرشمون بعد أسابيع من وقوع الجريمة؟ أم علينا انتظار الحقيقة الجنائية كي تنتهي من انتعال حذائها وعندها تكون معظم القبور قد حفرت؟

لا يا حبيبي... لا يا حفاري القبور... وليتنبه كل من أراد استحضار ذكريات الحرب بطريقة مجانية كم هو متلاعِب او متلاعَب به. اما ان يكون الزعيم ضحية انتخبت دون الخضوع لعلاج نفسي من مجموعة مصدومة، فهذا ضرب من الهبل المجتمعي "وكَـمَـا تَـكُـونُـوا يُـولَّـى عَـلَـيْـكُـم".

ناشط سياسي


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان يستنجد بدول صديقة لإخماد سلسلة حرائق ضخمة
لبنان: الأفران تضرب غداً ووزير الاقتصاد يؤكد «رفض الابتزاز»
حملة اعتقال ناشطين تفجّر العلاقة بين عون وجنبلاط
محكمة الحريري تطالب اللبنانيين بمعلومات عن متهم من «حزب الله»
«ضغوط» في واشنطن لمعاقبة الحكومة اللبنانية
مقالات ذات صلة
انتهاء مدة صلاحية وسادة الأوهام اللبنانية - سام منسى
ألكسندر دوغين عندنا...يا مرحباً يا مرحباً - حازم صاغية
مهزلة تحويل لبنان إلى بلد «قوميّ»؟! - حازم صاغية
هل على لبنان أن يخوض حرباً من أجل فك الحصار عن إيران؟ - حارث سليمان
عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة