الأربعاء ١٤ - ١١ - ٢٠١٨
 
التاريخ: تشرين الثاني ٨, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
عثرات ما بعد الاستعمار ... التحرر ليس صنواً لبناء الدولة - برتران بادي
في كتابي الصادر أخيراً والموسوم بعنوان «حين يعيد الجنوب ابتكار العالم» (لا ديكوفيرت)، أتناول بالتحليل العلاقات الدولية في عصر العولمة، ومصادر العنف والنزاع في عالمنا هذا، وأسلط الضوء على ما خلفه تفويت الفرص التي سنحت إثر العودة عن الاستعمار، من أثر سلبي وسام في العلاقات الدولية. ورسخ الاستعمار وعملية العودة عنه النظام القديم في العلاقات الدولية، وهو نظام يتحدر من معاهدة «فيستفاليا» المبرمة في 1648. واحتكم العالم الغربي إلى المعاهدة هذه في تدبير شؤون العالم وتنظيمه تنظيماً قائماً على رجحان ثقل وسلطان الدول- الأمم. ويبدو أن شاغلنا الهوسي هو افتراض أن الأمور على ما كانت عليه، ويقدم الغرب العولمة على أنها ابتكار القوى الغربية العظيم المحبة للتكنولوجيا والعقلانية والمبادئ الجامعة العامة.

ولكن الغربيين ليسوا وحدهم في العالم، وهم أقلية على المستوى السكاني، وانحسر دورهم في الوقوف وراء حوادث العالم وتراجعت قدرتهم على أداء دور الفاعلين في العالم، وتنظيم شؤونه (العالم). ولذا، تمس الحاجة إلى احتساب الآخرين ورؤاهم في تفسير حوادث العالم من اخفاقات وعنف. والعودة عن الاستعمار جلت على صورة خادعة. فاستقلال هذه البلدان وإنشائها دولاً افترض دخولها في مجتمع دولي متساو ومتجانس، في وقت أن الدول هذه ليست دولاً فعلية ولا مستقلة بعد. فالعودة عن الاستعمار دارت على رتق العلاقات وليس على تحول أو تغير فعلي.

وحين أنشئت «الأمم المتحدة» في 1945، كان عدد الدول المنضوية فيها لا يزيد على 51 دولة، كلها تقريباً من دول الشمال (شمال المعمورة). واليوم، عدد الدول المنضوية فيها 193 دولة، الشطر الراجح منها هي دول جنوبية. ولكن على رغم غلبة دول الجنوب عليها، الدول الغربية الخمس نفسها هي التي تملك حق النقض في مجلس الأمن، وهي التي تسعى إلى قول الكلمة الفصل في المسائل الدولية، سواء فعلت هذا في مجموعة الدول السبع أو في «مجموعات الاتصال» الدولية. وقدمت مرحلة نزع الاستعمار على أنها مرحلة انتقالية، أي مرحلة انضمام «مبتدئين» إلى النادي الفيستفالي (نسبة إلى معاهدة فيستفاليا 1648 في ختام حرب ثلاثين عاماً على الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت). ولكن شطراً كبيراً من المنتسبين الجدد إلى الأمم المتحدة لم يكن «مبتدئاً»، بل صاحب ذاكرة سياسية مديدة ويتحدر من حضارة أقدم من الحضارة الأوروبية. فباشرت هذه الشعوب الحياة الدولية على أسوأ وجه، وفي أكثر السياقات غير المؤاتية. واليوم، ندفع ثمن ما تقدم.

ووراء إخفاق العودة عن الاستعمار عدد من العوامل، أولها إنكار ذاكرة هذه الشعوب التاريخية، وهي شعوب كانت تسعى إلى الانعتاق من هيمنة الاستعمار. ولم يكن في محله افتراض أن اندراج هذه الدول «المبتدئة» في سياق تاريخ لا تنتمي إليه، سيرفعها إلى مرتبة «الرشد». وسرعان ما تبين أن أشكال التنظيم السياسي المتحدرة من نزع الاستعمار لا تلائم جبه تحديات العالم الفعلي. وخير دليل على ذلك هو اليوم انهيار أو اخفاق دول في العقود الأخيرة في أفريقيا وخارجها: في أفغانستان واليمن وليبيا والصومال... وعوض السعي إلى عالم جديد، تعلقنا بفكرة المرحلة الانتقالية والتزام موقف سالب وانتظار آثار النمو، وتمني أن تحمل الأيام المقبلة الأفضل!

ولم تُشرك الدول الجديدة في حكم العالم وتوجيه دفته، وهي اكتفت بدور المحتج، عوض المشاركة في إدارة العالم الجديد. وبدأ دورها الاحتجاجي مع مؤتمر باندونغ في 1955، وتبلور دورها أكثر في حركة دول عدم الإنحياز، ثم في ميثاق الجزائر ومجموعة الـ77 (تحالف دول ناشئة في الأمم المتحدة للدفاع عن مصالحها). وعلى المنوال هذا، أبصر النور ما سميناه في الأمس العالم الثالث وما نسميه، اليوم، دول الجنوب. ولجأت هذه الدول إثر استبعادها من الحكم الدولي، إلى ديبلوماسية جديدة قوامها الاحتجاج والخطابة. ولم تقترح الدول هذه إنشاء أشكال تنظيم سياسي جديد ولم تندمج فعلياً في المجتمع الدولي.

وارتكب الغرب خطأ اعتبار القادة المولودين من رحم نزع الاستعمار رجال دولة، في وقت كانوا رجال تحرير فحسب. والتباين بين دور باني الدولة ودور المحرر شاسع، ويترتب على كل منهما سمات مختلفة. ورجح دور المحرر من الاستعمار رمزياً في حركات مثل حركات الوحدة الأفريقية، والوحدة الأسيوية والوحدة العربية... فالغاية من هذه الحركات هي صوغ يوتوبيا تحرر وتحرير، وليس بناء دولة– أمة...

وبعض قادة التحرر كانوا ساسة كبار، ومنهم نكروما الغاني، ونهرو الهندي، وسوكارنو الإندونيسي وغيرهم. ولكن هؤلاء لم يشاؤوا أن يكونوا مشيدي دول. ففي غانا، قال نكروما إن السعي إلى إنشاء دولة على أنقاض الاستعمار هو فخ، ومغامرة في الوقوع في شباك القوات المستعمرة السابقة. والدول المصطنعة المولودة من العودة عن الاستعمار كانت أدوات إرساء نظام نيو- كولونيالي. وبعض رجال التحرر اضطر إلى الصدوع بهذا النظام، وانزلق إلى الاستبداد والعنف، فطعنوا في ما أنجزوه: التحرر. وتتعذر اليوم الإشادة بأحمد سيكو توري (أول رئيس غاني) بعد مآل حكمه إلى ديكتاتورية.

وخطاب رجال التحرر هؤلاء رمى إلى وحدة إقليمية أو قارية. فعلى سبيل المثل، كان نكروما قبل كل شيء من أنصار الوحدة الأفريقية. ولم يخفاه أن تحرر الشعوب الأفريقية لا يُبلغ إلا إذا كان على صعيد القارة. ومنظمة الوحدة الأفريقية- وهي صارت مذ ذاك الاتحاد الأفريقي- ولدت في 1963، ولكنها إلى اليوم، لم تحقق حلم نكروما، ولا تزال منظمة تعنى بما بين الدول، ولم ترتقِ إلى مصاف منظمة قارية. والفخ الذي دار كلام نكروما عنه لم يتغير في العقود التي تلت. فعلى سبيل المثل، كان نيلسون منديلا رجل تحرير عظيم، ولكنه عجز عن إرساء مؤسسات دولة جنوب– أفريقية فعلية. فالغاية من نزع الاستعمار لم تُبلغ لأن التحرر كان شكلياً.

وفي عدد من الحوادث التاريخية، تتزامن ديناميتان، كل منهما نقيض الأخرى إلى حد كبير. فإلى الاحتيال والاستهتار والاستعمال الذرائعي، غلبت كفة السذاجة في بعض الأوقات. وكان بعضهم في الغرب صدوقاً في اعتبار مرحلة نزع الاستعمار على أنها مرحلة مراهقة. ولكن المرحلة هذه لا تطعن في طابع النموذج الغربي الجامع والعام. وسرعان ما أدركت قوى الاستعمار السابقة أن في وسعها الاستفادة من ضعف الجنوب، الذي يقع خارج أراضيها وخارج حكمها وثراواتها، وأنها، عليه، في حل من مقاربة السياسة على ما تفعل في بلادها. فنفخت في ضعف الجنوب، وهو ضعف عظيم ينوء العالم اليوم تحت ثقله. وسعت هذه الدول الجديدة إلى الإتكاء إلى ضعفها، والبحث فيه عن موارد قوة للنهوض والتوثب. فصار ضعفها نفسه قوة تخريب وأذى وإضرار، ومورد دالة سياسية في عالم معولم، وهو عالم تربط الوشائج بين اللاعبين فيه. فالضعيف يعتمد على القوي، وهذا بدوره يعتمد على الضعيف كذلك. وما علينا إلا إلقاء نظرة إلى الخريطة الدولية لنلاحظ أن ميادين المعارك كلها تقع في الجنوب. فالحوادث الكبرى التي تقولب الحياة الدولية تتحدر من مكامن الضعف حيث يصبح القوي عاجزاً، فلا يسعه إلا الرد على الفوضى، وهو مشاهد متلق لها.

والعولمة طارئة على التاريخ، فعمرها يقتصر على 50 عاماً. وهي لا شك ولدت سياقات مفيدة، وسمحت بتقدم تقني وإنساني. ولكن في غياب حوكمة عادلة، الوضع على شفير الانفجار السياسي. فهوة التباين تتسع. وفي الأمس، لم يكن الفقير يرى الثري، ولكن اليوم لا مفر من رؤية الفقير العالم كله. وتتسع حيازة الخليوي في أفريقيا اتساعاً مطرداً. وعليه، نعيش في مرحلة عولمة الخيال عولمةً تعصى التصديق. والفقير اليوم يدرك تمام الإدراك حاله قياساً إلى الأثرياء. ولا مفر من أن يخلف هذا كله ارتدادات غير مسبوقة، وتماهيات جديدة هي مصدر تنازع ضخم. وحريّ بنا احتساب هذه التوترات الجديدة عوض اللجوء إلى بدائل مثل الأعمال الخيرية أو التنميط.

* أستاذ في سيانس بو، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 5/10/2018، إعداد منال نحاس
 


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
«تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» يولد في 2019
الأمين العام لـ «اتحاد المتوسط» لـ «الحياة»: نحيِد الخلافات السياسية في تعاوننا
أميركا تسحب أنظمة «باتريوت» من البحرين والكويت والأردن
منطقة «الساحل والصحراء» خيار مرجح لمسلحي «النصرة»
السعودية: فلسطين على رأس الأولويات والتعاون ضرورة لردع الإرهاب الإيراني
مقالات ذات صلة
مظاهر امتهان المرأة داخل التنظيمات الإرهابية - بشير عبد الفتاح
العولمة والشعبويات - حسن شامي
تأمين السكان ضد الإسكان - حمدي هاشم
أزمة اللاجئين وأوروبا الحصينة - عزيزة عبدالعزيز منير
"الناتو العربي" و"محور المقاومة" إمّا زلزال جيوسياسي وإمّا سلام - سركيس نعوم
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة