الثلثاء ٢٦ - ٣ - ٢٠١٩
 
التاريخ: تشرين الثاني ٧, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"اتفاق إدلب" غير نهائي وتباين روسي - سوري حوله - سركيس نعوم
يعتقد العاملون الجدّيون أنفسهم في مركز الأبحاث الأميركي النشيط والواسع الاطلاع أن قدرة تركيا ومجموعات "المعارضة" التي تفضّلها على دعم "اتفاق إدلب" أو إرادتها ذلك مشكوك فيها. ذلك أن إخراجها من المنطقة المحايدة أو الفاصلة (Buffer Zone) سيكون مهمة صعبة لأسباب عدة منها أن "الاتفاق" يتحدث عن "المجموعات الراديكالية" بلغة غامضة. وليس هناك ضمان أن النظام السوري وروسيا سيشعران بالاكتفاء إذا أخرجت فقط مجموعات معادية لها ولم "تدقّ" بالمجموعات المتعاطفة معها. علماً أن المجموعات المتصلة بـ"القاعدة" رفضت "اتفاق إدلب" منذ البداية وسحب عناصرها معتبرة أن هدفه الأساسي ضرب سلطتها وعناصرها. واذا استمرت على عنادها الرافض فإن تركيا ستضطر لاستعمال القوة العسكرية ضدها. أما إذا امتنعت تركيا عن ذلك فإن روسيا والنظام السوري سيجدان نفسيهما مضطرين لقصفهما بكل ما يمتلكان من قوة مدفعية وصاروخية برية وجوّية. واذا اعتبر المعارضون الآخرون ذلك انتهاكاً للاتفاق فإنه سينهار وينتهي. هل ستدعم روسيا والأسد اتفاق إدلب؟

تختلف الحسابات عند روسيا والأسد عند مقاربة إدلب، يجيب الباحثون أنفسهم. فالأولى تحاول تلافي صراع واسع لتأمين استمرار جهودها السياسية في أستانا وسوتشي وجنيف. في حين أن الثاني أقل اهتماماً وانخراطاً في الآليات الديبلوماسية. ويبدو أنه لا يزال مصمماً على استعادة "كل إنش" من سوريا رغم تناقض ذلك مع الاتفاق الروسي – التركي. أكثر من ذلك ربما يكون الأسد "شكوكاً" في احتمال مساعدة الغرب في إعادة اعمار بلاده بعد انتهاء الحرب، ولذلك فإنه وخلافاً لحليفته روسيا قد يفضّل أن تموّل الصين هذه العملية رغم أن آثارها أو انعكاساتها ونتائجها ستكون سيئة بل ربما أكثر سوءاً من التمويل الغربي والأميركي تحديداً على المدى الطويل. واذا أُجبر على الاختيار بين المطالبة باستعادة كل بلاده والصمود والتحمّل أو الاستعانة بأموال الغرب فإنه سيفضّل الخيار الأول. رغم ذلك تبقى روسيا قادرة على الحدّ من قدرة قوات الأسد على خرق اتفاق إدلب إذا أرسلت ما يكفي من قوة عسكرية الى المنطقة المحايدة أو الفاصلة الخالية من المسلحين، واذا امتنعت عن دعم الهجوم البري السوري بطيرانها الحربي وامكاناتها الصاروخية. لكنها كي تفعل ذلك كله وإبقاء الأسد هادئاً عسكرياً في الوقت نفسه تحتاج الى تقدم في "جنيف". كما أنها تحتاج الى نجاح تركيا في إزاحة المجموعات الخطيرة حتى لا يبقى لدى النظام السوري أي عذر لبدء استعادته عسكرياً إدلب عاصمةً ومحافظةً وجواراً. وبغض النظر عن الاختلافات أو التباينات بين "أجندتي" موسكو ودمشق، فإن أي تضارب أو تناقض محتمل في "صفقة" إدلب ينهيها. ومن المفيد الاشارة هنا الى أن إرضاءها سوريا، يقتضي أن تنفّذ تركيا "الصفقة" بكاملها ومن دون انتقائية. وفي هذا المجال يمكن اعتبار إخراج المسلحين الإرهابيين من الاوتوسترادات الرابطة حلب وحماه وحلب واللاذقية خطوة أساسية لا يمكن لـ"الصفقة" الاستمرار من دون انجاز تركيا له. وهنا قد يعتبر البعض أن تركيا يمكن أن تتعهد بإبعاد المسلحين المعارضين عن الاوتوسترادات تسهيلاً لحركة النقل والعبور الحر، لكن من يضمن عدم عودتهم الى قطعها؟ لذلك كله لا يزال الغموض يلفّ مصير "إتفاق إدلب" وحتمية استعادة هذه المنطقة بالقوة العسكرية السورية والروسية معاً. هل يستطيع "إتفاق إدلب" إنجاز شيء ما؟ وما هو؟

جواب الباحثين أنفسهم أن الاتفاق لا يزال يمتلك بعض التأثير رغم كل الشكوك المبررة في فاعليته. فهو يغيّر الحقائق على الأرض بدعوة تركيا الى إرسال مزيد من قواتها العسكرية الى حدود محافظة إدلب. كما أن روسيا تستطيع سحب قواتها إذا تغيّرت الديناميات. لكن تبقى تركيا في كل الأحوال في مأزق. فإذا "باعت إدلب" تدفع الثمن عمليات عسكرية معارضة ضدّها داخل حدودها وخارجها. كما أنها ستفقد موطئ قدم لها في سوريا، وستخف قدرتها على الضغط على الأخيرة لمنع أكرادها من الحصول على حكم ذاتي في المنطقة الشمالية الشرقية منها. في أي حال يبقى مستقبل إدلب سؤالاً مفتوحاً حتى إذا أخذت القيادة فيها موسكو من دمشق. إذ هل يمكن تصوّر ماذا يحصل إذا هجمت قوات الأسد على إدلب والقوات التركية فيها؟ وهل يمكن أن لا تتصادم القوتان وأن لا يتسبب ذلك بتدخل أميركا وحلف شمال الأطلسي الذي تركيا عضو مهم فيه؟

في اختصار، ينهي الباحثون أنفسهم، لا يبدو "اتفاق إدلب" الروسي – التركي سليماً، فتركيا تواجه وستواجه تحديات كبيرة إذا حاولت إزاحة المتشددين جداً من المعارضة من المنطقة المحايدة أو الفاصلة، والأسد لا يبدو ملتزماً بالاتفاق بقدر روسيا ولذلك قد لا يمتنع عن عمل عسكري ما مثل استعادة الاوتوسترادات الرئيسية ومناطق مهمة في إدلب. ويعني ذلك أن الاتفاق يختلف عن محاولات وقف النار التي رعتها روسيا سابقاً. فهي تعطي الأولوية من خلال تحركاتها لأجندتها الديبلوماسية بخلاف الأسد، وتعمل لكي "يضاين" الاتفاق وقتاً أطول. لكنه في كل الأحوال غير نهائي رغم أنه عكس تغييراً ما في الطريقة التي يحتاج الأسد الى اعتمادها لمقاربة موضوع إدلب. إذ أن أي محاولة لاستعادتها في ظل وجود تركيا عسكرياً فيها ستكون بالغة التعقيد، وستكون المعارك أكثر دموية وأكثر خطراً من أي عملية نفذها الجيش السوري العام الماضي لاستعادة أراضي ومناطق كان يحتلها المعارضون أي الإرهابيون وفق تصنيفه.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ترمب وقع «وثيقة الجولان» متذرعاً بـ«خطر إيران»
الأكراد يطالبون دول العالم بدعم إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مسلحي "داعش"
غوتيريس يؤكّد: وضع الجولان "لم يتغيّر"
"قوات سورية الديموقراطية" تعلن زوال "داعش" وتدعو النظام السوري إلى "تفضيل" الحوار
سقوط الباغوز: رحلت «دولة داعش» وبقي خطرها
مقالات ذات صلة
تحليل: كيف يؤثّر قرار ترامب حول الجولان على مصالح الروس؟
تحليل: 10 دلالات في «واقعية» تغريدة الجولان
تحليل: أيّ تحوّلات محتملة تطرأ على الحرب السوريّة؟ - جورج عيسى
المعارضة السورية إذ تنتقد ذاتها - أكرم البني
الثورة السورية من منظور المطلق والنسبي - منير الخطيب
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة