التاريخ: أيلول ٢٣, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
الانتصار للعدالة :محكمة الحريري أنموذجاً - رضوان زيادة
تشغل المحكمة الخاصة بلبنان Special Tribunal for Lebanon اهتماماً أقل فأقل على المستوى العربي واللبناني، كما أن الاهتمام بها بدأ يتحول إلى الصفحات الأخيرة في الصحافتين العربية واللبنانية، على الرغم من أنها ربما تكون معلماً بارزاً في الحياة السياسية العربية، فالمنطقة العربية تعتبر من أقل المناطق على مستوى العالم فيما يتعلق بالعدالة والمحاسبة، فهناك دولتان عربيتان فقط وقعتا على نظام روما الأساسي المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية، هما تونس والأردن مقارنة مع منطقة أميركا اللاتينية التي انضـــمت إليها كل دولـــها تقريباً. هذا يعكس معنى مفهوم العدالة عند النخب العربية الحاكمة فهي ليست حساسة له فقط وإنما تعاديه بالمطلق، وتشعر أن غياب المحاسبة هي بيئتها الأفضل، وتؤمن أن الإفلات من العقاب هو السياسة المثلى التي يجب تطبيقها.

أتت المحكمة الخاصة بلبنان ربما لتغير هذا المفهوم المسبق وشهدت منذ تأسيسها مخاضاً عسيراً، ففي آذار (مارس) 2006، صدر قرار مجلس الأمن الدولي 1664 الذي قضى بإنشاء المحكمة تحت الفصل السادس، وهو ما يلزم الحكومة اللبنانية وكل الدول بالتعاون معها من باب الطواعية، ثم طلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة التشاور مع الحكومة اللبنانية حول إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسؤولين عن الهجوم الإرهابي في 14 شباط (فبراير) 2005، الذي استهدف رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ومرافقيه. بعد ذلك وقعت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة اتفاقية للمحكمة الخاصة بلبنان في 23 كانون الأول (يناير) 2007، لكن في أيار 2007 كتب رئيس الوزراء اللبناني إلى الأمين العام للأمم المتحدة قائلاً إن رئيس البرلمان رفض عقد البرلمان، وبالتالي لا يمكن التصديق على الاتفاق، وهو ما يظهر خوف رئيس البرلمان نبيه بري ومن يدعمه ممثلاً في حزب الله من إجراءات العدالة، على رغم أنها يجب أن تكون الهدف الأسمى لأي مسؤول سياسي، فما بالك برئيس البرلمان الذي يجب عليه دعم المحكمة وضمان وصولها إلى الحقيقة.

نتيجة هذا الاستعصاء السياسي وبدعم من الولايات المتحدة وفرنسا في ذلك الوقت، قام مجلس الأمن بإصدار قرار جديد رقم 1757 في 30 أيار (مايو) 2007، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما يجعل أمر المحكمة نافذاً بغض النظر عن تعاون الحكومة اللبنانية من عدمه، وبغض النظر عن تصديق البرلمان اللبناني من عدمه على قانون إنشاء المحكمة التي وصفت بأنها مختلطة، أي أنها تجمع في التطبيق بين القانون الدولي وبين القانون الوطني اللبناني، ووفقاً لقرار مجلس الأمن فإن قرار إنشاء المحكمة دخل حيز التنفيذ في 10 حزيران 2007، وفعلاً دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 10 حزيران 2007.

بعد ذلك أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في 17 آب 2007 أن هولندا وافقت على استضافة المحكمة. كما وقعت الأمم المتحدة وهولندا على اتفاق المقر لإضفاء صفة رسمية على الاتفاقية في 21 كانون الأول 2007. واحتاجت إلى عام تقريباً من أجل بناء هيكلها التنظيمي والفيزيائي عبر تأسيسها على غرار المحاكم الدولية في سيراليون ويوغسلافيا السابقة وروندا، مع بعض الاختلافات في القانون الواجب التطبيق وفي محاكمة المتهمين غيابياً Trial in absentia، كأول محكمة دولية تطبق هذا المبدأ، وقد خضع ذلك للكثير من النقاش بين التأييد والرفض، كما أنها المحكمة الدولية الأولى التي يقع على عاتقها تحديد مفهوم الإرهاب، فمجلس الأمن الدولي اعتبر أن مقتل رئيس الوزراء اللبناني يشكل عملية إرهابية يجب محاسبة مرتكبيها، ولذلك سيكون من مهمات هذه المحكمة تعريف هذا المفهوم في أول محاولة على المستوى القانوني الدولي، إذ ليس هناك تعريف «دولي» لمفهوم الإرهاب، وهو ما جعله مفهوماً غائماً وخاصة في المنطقة العربية الذي تستغله الحكومات العربية المستبدة للقضاء على معارضيها السياسيين من خلاله، وعبر تجييرها القضاء المحلي لمصالحها السياسية في تصفية المعارضة السياسية ووسمها بالإرهاب.

افتتحت المحكمة أبوابها في الأول من مارس (آذار) 2009، وأخذت بذلك صلاحيات لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة (UNIIIC)، التي انتهت ولايتها في 28 فبراير 2009، والذي كان من مهامها التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الحريري ومرافقيه وكل عمليات الاغتيال التي جرت بعد ذلك.

لقد أنشئت المحكمة «لمحاكمة كل من وجد مسؤولاً عن الجريمة الإرهابية في (14 فبراير 2005)، كما يمكن تمديد اختصاصها إلى ما بعد ذلك الهجوم إلى هجمات أخرى. والمحكمة بذلك تكون أول محكمة جنائية دولية تتخذ من الأمم المتحدة مقراً لها لمحاكمة جريمة إرهابية ضد شخص معين.

تم تعيين ولاية المحكمة مبدئياً لمدة ثلاث سنوات، ولكن تم تمديدها من قبل الأمين العام للأمم المتحدة (بالتشاور مع حكومة لبنان ومجلس الأمن) للسماح للمحكمة بإكمال عملها. وأخيراً، في عام 2015، أعاد الأمين العام للأمم المتحدة بانكي مون التأكيد على التزام الأمم المتحدة بدعم عمل المحكمة لتقديم المسؤولين إلى العدالة وضمان عدم التسامح مع الإفلات من العقاب على مثل هذه الجرائم الكبرى. فتم تمديد ولاية المحكمة حتى عام 2018. ويمكن تمديد الولاية أكثر إذا استمرت الحالات المحالة لها.

كما ذكرنا، فالمحكمة تطبق القانون اجنائي اللبناني، والمواد الأخرى التي تعكس أعلى معايير الإجراءات الجـــنائية الدولية. في تجربة شبيهة بما يقال له بالقانون الدولي المحاكم المختلطة، كالقسم الخاص بجـــرائم الحــــرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنســـانية في محكمة البوسنة والهرسك التي لديها مثل هذه الغرف «المهجنة»، وأيضاً المحكمة الخاصة لسيراليون والدوائر الاستثنائية في محكمة كمبوديا.

تم تقديم لائحة الاتهام لأول مرة في 17 كانون الثاني (يناير) 2011، إلى قاضي الإجراءات التمهيدية وفي 11 مارس (آذار) قدم المدعي العام لائحة اتهام معدلة، الترحيب الأول للأسف لم يأتِ من المنطقة العربية وإنما من الولايات المتحدة، إذ رحب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما باتهام المحكمة الأول قائلاً إنه قد ينهي «حقبة الإفلات من العقاب».

ثم تم تأكيد عريضة الاتهام في 28 يونيو 2011، وصدرت أوامر باعتقال المتهمين الأربعة بعد يومين. حيث تم تقديم المذكرات إلى السلطات اللبنانية، مع تحديد المتهمين علناً من قبل المحكمة، وصدر قرار الاتهام الكامل في آب (أغسطس) 2011، الذي شمل كلاً من مصطفى بدرالدين، وسليم العياش، وأسد صبرا وحسن العنيسي. وجميعهم قياديون أو مسؤولين رفيعو المستوى في حزب الله اللبناني. وهذا الشهر أصدر الادعاء العام في المحكمة تفاصيل الاتهام من خلال افتتاح جلسة محاكمة المتهمين غيابياً، والذي يؤكد في مذكرته أن الاغتيال جاء بقرار سياسي بسبب رفض الحريري للرضوخ أمام المطالب السورية، ويحدد مصطفى بدر الدين القيادي في حزب الله بوصفه مخطط عملية الاغتيال عبر كشف كل التفاصيل الهاتفية التي جرت بينه وبين رستم غزالي ووفيق صفا، والتنسيق بالتنفيذ بينه وبين سليم عياش في حين شكل فريق كامل لإخفاء الجريمة عبر اختيار أبو عدس وإجباره على إعلان مسؤوليته عنها. حيث كشفت تحليلات DNA أنه لا وجود لعينات أبو عدس في مسرح الجريمة.

في الحقيقة لائحة الاتهام تظهر حزب الله ليس متورطاً، وإنما مجرد حزب إرهابي يقوم بتنفيذ عمليات الاغتيال من دون مساءلة، إنه باختصار بندقية للإيجار، يستخدمه الحرس الثوري الإيراني كما يستخدمه النظام السوري للقيام بأبشع العمليات الإرهابية في لبنان في الماضي وفي سورية اليوم.

دعم المحكمة الخـــاصة بلبـــنان اليوم هو دعم للعدالة في كل المنـــطقة العربية، وعـــلى رغم الانتـــقادات في طريقة أداء المحكمة والتي أعتقد أنها في حاجة إلى مقال آخر، إلا أن دعم المحكمة يجب أن يكون بوصلة السياسيين والناشطين الحقوقيين اليوم، لأنه ربما يغير طبيعة صلة المنطقة العربية بشيء اسمه العدالة.

* كاتب سوري