التاريخ: أيلول ١٥, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
أردوغان بالزي العسكري مع... أو ضد مَن؟ - سميرة المسالمة
المراهنون على موقع تموضع تركيا في أي معركة محدودة أو «واسعة» في إدلب، يتجاهلون تماماً حيثيات الواقع التركي الحالي، والحصار الذي أحكمت روسيا إغلاقه حولها خلال اجتماع طهران، مستثمرة بذلك المواقف الأميركية والغربية منها، وواقع أزمتها الاقتصادية الداخلية، لتجبرها على التراجع من موقع الشراكة معها إلى زاوية الدفاع عن نفسها، تارة بالهروب إلى خلف الموقف الأوروبي، وأخرى باللجوء إلى حلف الـ «ناتو»، ليكون حليفها في صد رغبات روسيا التوسعية على مناطق نفوذها في إدلب وما حولها، باعتبار أن حدود سورية هي حدود حلف الـ «ناتو»، ليكون جواب شركائها «أن حماية هذه الحدود هو من واجب تركيا، ويقع ضمن مهماتها منفردة عن غيرها من أعضاء الناتو».

لا يمكن أحداً أن ينكر حقائق تقاطع المصالح بين أوروبا وتركيا في وقف الحرب على إدلب، كما لا يمكن إنكار المصلحة الأميركية في خرق التفاهمات الثلاثية الروسية التركية الإيرانية، إلا أن ذلك لا يعني القدرة على تعطيل ما أنجزته موسكو في سير عملية استعادة السيطرة على كامل سورية، ليس بهدف إعادة إحياء النظام السوري كما يحاول تسويقه الإعلام الموالي له، ويمكن الاعتبار في ذلك أن حلب ودرعا رسمياً تحت الوصاية الروسية، وإنما لأن متطلبات العودة الروسية إلى مفاوضات دولية شاملة، من دون تحقيق هذا «الانتصار العسكري»، يعني بالنسبة إلى الرئيس الروسي هدر فرصة إحياء روسيا دولياً كشريك مفاوض، يبادل ملفاته العالقة بالورقة السورية غير «المقضومة» تركياً.

وعلى رغم ما يتم تداوله من مخاوف أوروبية تتعلق بحدوث التغريبة الأكبر للسوريين باتجاه تركيا وأوروبا، إلا أن حقيقة الأمر يتجاوز ذلك بكثير، حيث الخشية الحقيقية من أن تكون هذه المعركة مفتعلة من الجانب الروسي لنشر الفوضى وتعميمها على الجميع، من خلال كسر الجدار المسور في إدلب حول مقاتلي «النصرة» و «داعش» ومن هم في سياقهم من الأوروبيين، للهروب نحو أوطانهم ، ما يعني تهديداً حقيقياً لأمنهم ومجتمعاتهم، وهذا ما جعل الأصوات الأوروبية تتعالى في مجلس الأمن، وتعيد تموضعها كحليف لتركيا في رغبتها نزع فتيل الحرب المعلنة على إدلب، وتستذكر من جديد أن تركيا جزء من حلف الـ «ناتو»، وهي الورقة التي يمكن من خلالها فهم تصرف الرئيس أردوغان بنشر أكثر من ثلاثين ألف جندي تركي على حدوده مع سورية، ولكن هذا يطرح العديد من التساؤلات منها:

هل سيدخل أروغان الحرب مع أو ضد من؟

وهل يمكن القول إن تصنيف «النصرة» كمنظمة إرهابية يأتي ضمن سياق تهيئة المناخ لقتالها تركياً؟

ومن هي الفصائل السورية التي ستدخل في حرب مع «النصرة» التي اعتبرتها لفترات طويلة كشريك لها في قتالها ضد النظام؟

لا يمكن تفسير نشر القوات التركية على الحدود مع سورية بأن أردوغان عقد العزم على الدخول في حرب مع أي من الطرفين سواء شريكته روسيا، أو حتى الطرف المقابل لها «النصرة»، فالمواقع التي اتخذتها القوات التركية تمثل مواقع دفاعية لحماية حدودها، وبالتالي حدود «الناتو»، وهذا لا يعني أنها تحميها من احتمالية الضربات الروسية، أو أن روسيا هي العدو «المتوقع»، ما يجعل التفسير الأقرب يعني أن تركيا تخشى فعلياً من انفلات زمام الأمور التي كانت تديرها بإحكام داخل إدلب، بما يتعلق بسلوك «النصرة»، وأن الانقسامات التي حدثت داخل الجبهة المتطرفة، وهي تشمل عدداً لا يستهان به من غير التابعين لها، ومنهم أتراك وأوروبيون وسوريون، تثير مخاوف تركيا من أن تصبح هدفاً لـ «النصرة» كحال الآخرين، ما استوجب حالة الاستنفار الدفاعي وليس الهجومي، كما يحاول بعضهم تسويق أن تركيا أصبحت شريكة لهم في قتالها روسيا في حال فرضت عليها المعركة.

وتدرك موسكو أهمية التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في ضرب محور آستانة، وتركيا فيه تمثل حجر الزاوية ونقطة القوة الروسية، التي استخدمتها بوجه التحالف الأميركي الغربي، إلا أنه في معركة إدلب يمثل نقطة الضعف أيضاً، إلا إذا استطاعت روسيا جر تركيا إلى تسويات شبيهة بما حدث في الغوطتين والجنوب السوري، وهذا ما يفسر تصريحات موسكو حول تفاهمات على آلية العملية العسكرية. أي العودة إلى ما قبل اجتماع طهران، وصياغة تسوية قابلة للشراكة تعلن في اللقاء المرتقب للرئيسين بوتين وأردوغان، والتفاهم على انسحابات لقوى الفصائل ذات التبعية التركية، والتي ترفض في الوقت ذاته قتال «النصرة» لأسباب عقائدية ومذهبية، لتتقدم الفصائل الصغيرة التي تجـــمعت لهذه المهمة، والتي يقدر عددها بنحو أقل من نصف عدد مقاتلي «النصرة» لتتولى القتال ضد هذه الأخيرة، بهدف كسب الوقت من جهة، وكسر إرادة الدفاع عن إدلب بوجه روسيا ومن خلفها النظام، باعتبار أن التسويات أسلم لإدلب وقاطنيها، ما يعني إتاحة الفرصة لحرب فصائلية (كما جرى في الغوطة) تحدد زمن ونوع التسوية الممكنة لاحقاً.

أردوغان، على رغم الزي العسكري الذي فرضه الآن على حدوده، فهو لن يدخل معركة من أجل السوريين ضد حليفته موسكو، على رغم تخاذلها معه، كما أنه لن يدخلها ضد «النصرة»، وذلك حماية لبلده ومنعاً من زيادة أعدائه داخلياً، فعدد الأتراك فيها غير قليل، كما أنه لن يقف مكتوف الأيدي تجاه مبادرات التقارب الأميركي معه، التي شاركته الرؤيا في مجلس الأمن (11/9) وناصرت مطالبه في وقف الهجوم على إدلب، ما يسمح له بتلقف هذه المبادرة وتحويلها إلى نقطة قوة إضافية أمام نظيره الروسي في برلين يوم 28 الجاري خلال تفاهماتهما على حرب «غير واسعة»، ينال فيها الروس من «النصرة في شقها غير المتعاون»، بينما يترك المجال للفصائل الشريكة لها بالتسليم بالمصالحات، لتكون فاتحة الطريق إلى تسويات ليست بعيدة عن سابقاتها، تأخذ تركيا دور المتفرج الحيادي بالنسبة إلى كل الأطراف السورية والروسية والأميركية والأوروبية.

إن التعبير المخادع للقوى الدولية حول رفض معركة واسعة النطاق في إدلب، يفتح الأبواب أمام معارك متفرقة ووحشية، لا يمكن مقاومتها على الأرض، ولا مجابهتها بالتصريحات، ما يجعل اقتراب تركيا من المطالب الروسية هو الحل المرحلي الذي لن يعارضه الغرب، وستصمت أميركا تجاهه لأنه يتوافق مع إرادتها بإنهاء الفصائل المسلحة من واقع سورية قبل الذهاب إلى حل سياسي، لا يخرج عن حدود ما أسفر عنه اجتماع باريس للمجموعة المصغرة تحت مسمى اللاورقة، والذي يرى أن انضمام موسكو على رغم كل الخلافات على السطح، سيمنحه فرصة التعجيل وليس التعطيل.

* كاتبة سورية