التاريخ: نيسان ١٠, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مكامن الإفلاس الوطني - رمزي الحافظ
أسرَّ رئيس الجمهورية للبطريرك الماروني أنَّ البلاد تواجه حالة إفلاس. وصدرت عن رئيس مجلس الوزراء مواقف مشابهة، في حين أطلق أمين عام "الحزب الأصفر" صفارة تحرير الاقتصاد من أسره. على ضفاف مؤتمر سيدر في باريس والانتخابات النيابية، تعترف الجهات السياسية على اختلافها بالفشل المتكرر في أدائها، وتتقدم بمجموعة مشاريع من نتاج نهجها الخائب، للحصول على المزيد من الدعم المالي من الدول والمؤسسات المانحة والشقيقة والصديقة، وتتقدم من الجمهور بقانون انتخابي عجائبي، تتوسل على أساسه تجديد الولاية. إنه نموذج خلاق للديموقراطية: يعترف السياسيون بأنهم قدموا أسوأ ما لديهم، ويعدون بالمزيد، ويقيمهم المواطنون في أدنى مرتبة... ومن ثمَّ يعيدون انتخابهم! هذا هو الإفلاس الحق! 

في المالية العامة 

لا شك في أنَّ إفلاس الأداء طاغ، لكن إفلاس الدولة مالياً لا يزال بعيداً، بالرغم من محاولات حثيثة يبذلها القيمون على الدولة لتبديد كل ما تصل إليه أيديهم. إنَّ للقطاع العام قدرة على الالتزام بجميع واجباته المالية من رواتب وخدمة دين ومصاريف وتنفيعات، وحتى هدر، لسنوات عدة، ولو بصعوبة. والدليل على ذلك شهية المصارف المحلية والجهات الدولية لإقراض القطاع العام، ولديها ثقة كافية بقدرته على الوفاء بالتزاماته. وفي المحصلة، ليس ثمة إفلاس مالي وشيك.

في الاقتصاد 
 
تصدر تباعاً نتائج المؤشرات الدالة عن العام الفائت، وتُظهر تحسناً في مجالات عدة. فمن ارتفاع في نسبة النمو (وان لا ترقى إلى الطموحات) إلى انخفاض في عجز المالية العامة، وارتفاع في نسبة الإشغال الفندقي وأسعار الغرف، وتحسن طفيف في مبيعات التجزئة، يتبيَّن أنَّ الاقتصاد يسير بشكل طبيعي في الاتجاه الصحيح، وإن كان يسير بسرعة السلحفاة. صحيح أن النتائج ليست إيجابية في كل القطاعات، وبعضها يواجه أزمة حقيقية، لكنَّ أسوأ النتائج تظل بحق أفضل بكثير مما يصف السياسيون ووسائل الإعلام، وكثير ممن يدعي الخبرة الاقتصادية، الذين ما زالوا مغمورين بالرغم من تمرس معظمهم لسنوات عدَّة في رياضة التنظير. شئنا أم أبينا، يتبع الاقتصاد المسار الطبيعي لواقع بلدان العالم الثالث وأمراضها. وفي المحصلة، لا يعاني البلد إفلاساً اقتصادياً.

في الإصلاح 

يتحدث الكل عن الفساد والإصلاح. السياسيون المتهمون بالفساد من قبل الرأي العام يطالبون هم بأنفسهم بالإصلاح. كلمة الإصلاح باتت الأكثر استخداماً في الخطاب السياسي والاقتصادي، لكنها الأقل ممارسة وتطبيقاً. كل طرف ينادي بتطبيق الإصلاح في كل مكان، إلا في نطاق نفوذه. لن يتخلى أي طرف سياسي عن حظوته خوفاً من أن يطغى عليه خصومه، خصوصاً بعد شح الدعم المادي من الخارج. لم يبقَ إلا بقرة الدولة الحلوب لتمكين سطوة الأطراف السياسيين. إنهم جميعاً متواطئون. الإصلاح في حالة إفلاس.

في المواطنية الحقة 

بالرغم من بعض المحاولات الخجولة حتى الآن، من هنا وهناك، فشل المواطنون في مواجهة الطبقة الحاكمة. إنهم أيضاً متواطئون. نظام المحسوبية يخدم عدداً كبيراً من المواطنين في بعض حاجاتهم الآنية، وإن يؤذي مصلحتهم العامة. إنَّ الناس مدمنون على طلب حماية ما من مرجعياتهم في الدولة، من الدولة نفسها وقوانينها. وإذا كان هذا الواقع يشبه مأساة إغريقية (أو حديثاً يونانية!)، فذلك لأن ثمة عقداً اقتصادياً اجتماعياً مستتراً بين الحكام ومللهم. المكاسب على المدى القصير، والمعاناة مستدامة. المواطنية في حالة إفلاس

كاتب سياسي واقتصادي،  ومؤلف كتاب "الحلم اللبناني" .