التاريخ: تشرين الثاني ٦, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
الدولة الإقصائية الخامسة في العراق - رستم محمود
في المحصلة، يعني مجموع الإجراءات العسكريّة والسياسيّة التي اتخذتها الحكومة المركزية ضد إقليم كردستان، أن الكرد صاروا مستبعدين من الشراكة السياسيّة الإستراتيجيّة في الدولة المركزيّة العراقيّة، التي كانت الأساس السياسي لبناء العراق الجديد في 2003. يحدث ذلك في وقتٍ شكل فيه تحطيم المدن والبيئة السكانيّة السنيّة خلال الحرب على داعش تتويجاً لعمليّة الاستبعاد المتقادم للجماعة السنيّة من المؤسسات وسلطة وهوية الدولة المركزية في العراق.

بهذا المعنى، فعراق اليوم يضع اللمسات الأخيرة على تحوله من كيانٍ تشاركي، فيديرالي مع الكرد، ولامركزيٍ مع غيرهم، إلى دولة مركزيّة، اقتصادياً ورمزياً وعسكرياً وثقافياً، وأولاً سياسياً. وتذهب التوازنات الراهنة بين الجماعات الأهليّة والقوى السياسيّة إلى أن تلغي حاجة القوى السياسيّة الشيعيّة العراقيّة لأيّة تسويات أو شراكة حقيقيّة مع الكرد والسنة. فالجيش، بقياداته وعقيدته وعالمه الرمزي، صار موالياً للقوى الشيعيّة، وفوق ذلك فمئات الآلاف من عناصر الحشد الشعبي معبأة كقوة احتياط استراتيجيّة لهذه الهيمنة. الأمر ذاته ينطبق على الملفات الاقتصاديّة والإداريّة والبرلمانيّة والسياسيّة، حيث تهيمن القوى الشيعيّة الرئيسيّة، وتتقاسم غنائمها في ما بينها.

فوق كل ذلك، فالقوى الشيعيّة تستشعر قوة فائضة نتيجة «انتصار» حلفائها الإقليميين: إيران والنِظام السوري وحزب الله. وترى نفسها الطرف العراقي الأكثر قبولاً من المجتمع الدولي، وبالذات الولايات المتحدة، حيث أثبتت الأحداث الأخيرة مع إقليم كردستان أن المجتمع الدولي يفضل مساندة الحكومة المركزيّة على أي طرفٍ عراقي آخر.

كل ذلك يدفع القوى الشيعيّة الرئيسة لأن تصنع «عراقاً شيعياً» مركزياً، كأمرٍ واقعٍ مفروضٍ على بقية القوى والجماعات الأهليّة العراقيّة المقصيّة. هذا العراق الذي ستملك فيه القوى الشيعيّة وحدها الحق والسلطة في تفسير الدستور والقانون والتوجهات الإستراتيجيّة للعراق، كأن تتمكن من إعادة صياغة الفيديراليّة لتكون شكلاً من الإدارة المحلية الموسعة، وأن تفسر الشراكة بكونها منحاً لبعض المواقع السياسيّة والبيروقراطيّة غير الإستراتيجيّة لشخصيات وقوى سياسيّة من الجماعات الأهلية الأخرى تكون مضمونة الولاء للقوى الشيعيّة المركزيّة.

لم تكن السلطة المركزيّة في العراق المعاصر مجرد دلالة على هوية مؤسسات الدولة الكيانيّة فحسب، بل كانت على الدوام أداة ودلالة على هيمنة قوة سياسيّة أو جماعة أهليّة أو نخبة طبقيّة على الحياة العامة بكل تفاصيلها، وإقصائها لبقية المكونات. على أن الدينامية ذاتها التي تتركّز عبرها سلطة عراقيّة ما، تعمل على الدوام لخلق ديناميات مضادة لها، تؤدي في المحصلة إلى أن يحدث صدامٌ حتمي، بين المركزيين والمهمشين.

كانت الدولة الملكية أولى التجارب الدالة على ذلك. ففي تتبع للأرقام والبيانات المنشورة في كتاب المؤرخ حنا بطاطو الشهير «الطبقات الاجتماعيّة القديمة والحركات الثوريّة الحديثة في العراق»، يمكن الاستدلال على مدى الاستحواذ المتقادم للطبقة البورجوازيّة/الإقطاعيّة العراقيّة على كل شيء في العراق، مقابل تهميشٍ تام لبقية الطبقات. شكل هذا الاحتكار إحدى الأدوات لتميل الأحزاب والتنظيمات الشعبويّة القوميّة واليساريّة والعسكريّة لتأييد انقلاب عبد الكريم قاسم الشهير عام 1958.

العراق في زمن قاسم حاول في سنواته الأولى أن يكون تشاركياً إلى حدٍ بعيد، لكنه ما لبث أن مال إلى الخيارات القومية، مقصياً الأكراد عن أيّة شراكة حقيقيّة. أدى ذلك لأن تندلع الانتفاضة الكرديّة الأولى في العراق الحديث عام 1961. لقد كان إقصاء الكرد ومحاربتهم آلية لإغراق النخبة السياسيّة القوميّة العراقيّة في صراع مفتوح، بين قاسم والبعثيين والقوميين المنقلبين عليه عام 1963، ومن ثم بين الانقلابيين في ما بينهم، إلى أن حدث الانقلاب البعثي الأخير عام 1968، وصفى صدام حسين كل خصومه ومنافسيه.

شهد الزمن البعثي نمطين من الدول الإقصائيّة. فطوال عقد التنمية الانفجاريّة في السبعينات، ومن ثم عقد الحرب مع إيران في الثمانينات، كان العراق دولة قوميّة عربيّة مطلقة، مهشمة للكرد. وفي مرحلته الثانيّة بعد هزيمة حرب الكويت، حاول النظام أن يكون «دولة سنية» حيث سماها صدام حسين بزمن «الحملة الإيمانية». فقد سمح انسحابه من المحافظات الكردية الثلاث بأن يتخلص من إرث المسألة الكرديّة، وأن تتفرغ الدولة لإقصاء الشيعة العراقيين عن كل شيء. سمح الزمنان البعثيان، القومي والسني، بأن تستشعر القواعد الاجتماعية العراقية، وكذلك الدول الإقليميّة، مقتاً متعاظماً للِنظام العراقي، وهذا ما سهّل نهايته في 2003.

في موجتها الرابعة بعد 2003، غدت الدولة العراقيّة تشاركيّة تضم التحالف الشيعي/الكردي فحسب، مع العمل على إقصاء السنّة العراقيين وقواهم السياسيّة عن القرار الإستراتيجي في البلاد. أدى ذلك إلى أن يغرق العراق في موجة عنفٍ أهلي وسياسي غير مسبوقة، توجت بانهيار جزء واسع من الدولة أثناء عمليّة توسع تنظيم داعش في صيف 2014.

لا ينتج كل ذلك من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتناقض في تركيبة الدولة العراقيّة الحديثة، بين أن تكون كياناً مركّباً من أقاليم وجماعات أهليّة واعية لنفسها كجماعات تشارك في السلطة والقرار، وأن تكون بيد جماعة أهليّة أو نخبة طبقيّة واحدة فحسب، وبذا تنتج صراعات مفتوحة. لكن يبدو أن أحداً لا يتعلّم من تجربة سواه.
 
 
* كاتب سوري