التاريخ: آب ٢١, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
في ذكرى بورقيبة - محمد الحدّاد
بالنسبة إلى كثر من جيلي الذين عاشوا شبابهم في الفترة البورقيبية، كان شهر آب (أغسطس) أثقل الشهور على أنفسنا، تبلغ درجة الحرارة فيه حدوداً قصوى في زمن لم يعرف بعد ظهور المكيفات في البيوت إلّا لدى الطبقات الراقية جداً، وفيه يتجنّد الإعلام على مدى شهر كامل للاحتفال بعيد ميلاد الزعيم الملهم والإشادة بعبقريته الفذة وفضله العظيم على الشعب والوطن.

ومهما كانت الأحداث التي تحصل محلياً أو عالمياً خلال هذا الشهر، فإن الاحتفال بعيد الميلاد يتصدّر دائماً الصدارة في وسائل الإعلام التي كانت كلها حكومية. هكذا كان الوضع في تونس على مدى سنوات بعد أن تقرّر عام 1973 أن يصبح بورقيبة رئيساً مدى الحياة.

ربما كنّا في الصغر نتبرّم بعيد ميلاد الزعيم لأنه يصادف قمة الحرارة، لكن بعد التسيّس والأدلجة في فترة الشباب، كدنا نفسّر شدّة الحرارة بأنها نتيجة من نتائج سياسة الحزب الواحد والزعامة الملهمة. والحق يقال أننا آنذاك لم نكن نتصوّر لحظة أن تونس مهدّدة في وحدتها الترابية ونظامها الجمهوري وحقوق نسائها وتعليمها الحديث وأمان الحياة فيها. كانت هذه الأمور تبدو لنا بديهية وكنا نرغب في ما هو أكثر من ذلك، فيبدو لنا الزعيم الهرم العائق دون تحقيق رغباتنا.

اليوم، تعيش الأجيال الجديدة حنيناً قوياً إلى العهد البورقيبي الذي لم تعرفه، بعد أن أصبحت هذه البديهيات مهدّدة وكلّ المكاسب قابلة للانهيار. لقد كان فضل بورقيبة أساسياً في تحقيق تلك المكاسب، لكنّه أيضاً الشخص الذي عطّل المسار الطبيعي للدولة نحو الديموقراطية، فكان الانسداد الديموقراطي سبباً رئيسياً في خنق الاقتصاد والعباد والتهيئة لظهور الأصولية وتمدّدها. فضل بورقييبة في نشأة الدولة الوطنية لا ينكر، ومسؤوليته في عدم تحولها إلى دولة ديموقراطية لا ينكر أيضاً.

سنختلف في بورقيبة بين من يرى الجزء الملآن من الكأس ومن يرى منها الجزء الفارغ، لكن الأكيد أن بورقيبة قد ملأ على الأقلّ جزءاً من الكأس وترك بصمات قوية في تاريخ تونس الحديث. ذلك لم يكن شأن آخرين. على سبيل المثل: العقيد معمر القذافي الذي حكم الجارة ليبيا منذ انقلاب 1969. جاء العقيد إلى تونس ليعرض مشروعه في الوحدة العربية فاستقبله بورقيبة استقبالاً بروتوكولياً جافاً وسمح له بإلقاء خطاب شعبي في فضاء كان آنذاك الأكبر في العاصمة التونسية يدعى «البالماريوم». قفل بورقيبة راجعاً إلى قصره وهو يستمع عبر مذياع السيارة لخطاب العقيد فهاله ما فيه من شعارات وثورجية. أمر سائقه بالعودة به إلى «البالماريوم» حيث فاجأ القذافي بالدخول واعتلاء المنصة. أنصح كلّ مواطن عربي أن يستمع اليوم إلى «خطاب البالماريوم» الذي يقدّم، مثل خطاب أريحا المشهور، قدرة على الاستشراف يقلّ نظيرها. أهمية هذا الخطاب لا تتجلّى فقط في براعته الخطابية النادرة التي تجعله من أحسن الخطب السياسية العربية، ولا في جرأته على مهاجمة القذافي وهو جالس على يمينه، ولكن بخاصة في كونه قد عرض بوضوح رؤيتين للدولة ووازن بينهما: الدولة الوطنية التي تراهن على التعليم والعلم والرعاية الصحية واقتباس التكنولوجيا وتحقيق التنمية وتطوير العقليات، والدولة الأيديولوجية التي ترفع شعارات الوحدة العربية والثورة الاشتراكية وتحدّي الإمبريالية. «أنا أراهن على الأولى، أما أنت فكيف ستوحّد الأمة العربية والحال أنّ ليبيا غير موحّدة؟»، هكذا قال بورقيبة للقذافي آنذاك. ولم يتغيّر الوضع منذ ذلك الحين. فكرتان أساسيتان أردت إبرازهما من خلال ذكرى «ميلاد الزعيم» التي كانت تنغّص علينا شهر آب:

أولاً، لا يمكن التسليم بالأطروحة العدمية التي تذهب إلى أنّ كلّ التجارب السياسية العربية فاشلة. كلا، توجد تجارب أقلّ فشلاً من أخرى لأنها على الأقلّ حقّقت مكاسب واقعية لشعوبها ولم تخنقها بالشعارات. لا يمكن أن يستوي بورقيبة والقذافي ولا نظام الدولة الوطنية ونظام الدولة الأيديولوجية. فما يجعل تونس تستمرّ إلى اليوم هو المكاسب التي تحقّقت في العهد البورقيبي، وأهمها تعميم التعليم وحقوق المرأة. لقد عصمت البلاد إلى حدّ الآن من الانهيار في فترة الديكتاتورية، ومنعتها من الانزلاق في حمامات دماء بعد الثورة، وخففت عنها المصيبة أثناء الحكم العشوائي المدمّر الترويكا والإسلاميين، وجعلتها تتماسك إلى اليوم بعد خيبات انتخابية متتالية واقتصاد يتسارع إلى الحضيض.

ثانياً، بورقيبة، على رغم كل سيئاته، سيظل مرتبطاً بتاريخ تونس لا يمكن فصله عنها، مثل نابليون بونابرت (على رغم فظاعاته) مع تاريخ فرنسا أو ماو تسي تونغ مع تاريخ الصين. والحنين إلى البورقيبية سيظلّ عاملاً نفسياً مفهوماً ما دامت الأسس التي قامت عليها الدولة مهدّدة. والديموقراطية التي يتحدث عنها الجميع لا يمكن أن تتحقّق بين الأرض والسماء، إنها لا تتحقّق إلّا في إطار الدولة الوطنية، ومن دون ذلك لن تكون إلّا مهزلة ومرادفاً للفوضى.

بورقيبة ملأ نصف الكأس وترك النصف الآخر فارغاً. أما زعماء اليوم، لا سيما أعداءه، فلم يساهموا بقطرة فيه، وإنما يقدّمون شعارات لن تختلف في مصيرها عن تلك بشّر بها القذافي في الستينات، ولن تكون غير سراب، وهم يعيشون اليوم ولو جزئياً بفضل ما بقي من عهده من مقومات دولة بدأت بالتداعي منذ أن أُعلن بورقيبة رئيساً مدى الحياة وأصبح عيد ميلاده من الطقوس الرسمية الخانقة.