التاريخ: آب ٣, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
عن سادة الفخامة - رستم محمود
راهناً، يبدو الحبل السياسي الجامع بين «المُنتصرين» على داعش مؤلفاً من ثلاثة خيوط مُتراكبة: نشوة الانتصار على «البرابرة»، وبالتالي التظاهر باختزان ما هو مُضاد لهذه «البربريّة». وثانيها الخروج الظافر في معركة الربيع العربي، وتجنب أي من آثاره، فـ «دعشنة» ذلك الربيع كانت انتصاراً لهم، لا يقل في قيمته عن تحطيم «داعش» نفسه فيما بعد. وأخيرها الاعتداد بالاصطفاف مع العالم «المتنور» في معركته وخياراته.

من حيث المنطق، من المتوقع لهذه الخيوط أن تؤدي الى نتائج موضوعيّة في سلوكيات وسياسات وخيارات هؤلاء «المُنتصرين»، استجابة لمنطق التاريخ وضرورات ما يُمليه موقعهم الجديد على أقل تقدير.

فالذين غالبوا البربرية مثلاً، عليهم أن يعطوا أمثلة ما عن التماثل مع الحداثة، الثقافية والسياسية والاجتماعية والروحية، كاحترام حقوق الإنسان، وحقوق النساء منهم بالتحديد، والتمسك بالحريات العامة والمدنيّة، والتأسيس لخدمات عامة ودولة عصرية بعيدة من كل نزعة أهليّة.

لكن، هل لأحد أن يتخيل شيئاً من ذلك في ظل طبقة سياسيّة حاكمة كالتي في العراق «المُنتصر» مثلاً، ممن تركوا كُل أوجاع العراق في ذروة معركة الموصل، وشرّعوا قانوناً يمنع بيع وتناول المشروبات الروحيّة! وترى كل يوم أفعالاً للعصابات المُسلحة وهي تقتحم الأماكن العامة وتفرض الإتاوات على المصالح التجارية وتزاحم الدولة في القضاء والعقاب.

في المستوى نفسه، يتطلب محق الربيع العربي في مناطق حُكم المنتصرين، أن يُقدموا ما هو نقيض لتلك «الشعبويّة» و «الفوضويّة» التي قالوا أن الربيع كان مُحملاً بها. أن نرى النِظام السوري مثلاً وهو يُقدم لشعبه نظاماً برلمانياً مُحترماً، وأن يرفده بمؤسسات تعليميّة وأجهزة بيروقراطيّة وحياة ثقافية على درجة عالية من المهنيّة والشفافيّة والحياديّة، وقبل ذلك أن يتوقف قليلاً عن تدمير المدن التاريخيّة وتهجير الملايين من مواطنيه وقتلهم بالأسلحة الكيماويّة!

أخيراً، فإن المنتشين باصطفافهم مع «العالم الحر» في هذه المعركة العالميّة، عليهم أن يتلبسوا، ولو قدراً بسيطاً، بالقيم السياسيّة والروحيّة والثقافيّة لهذا العالم. أن يتخلى «حزب الله»، ولو قليلاً، عن سياساته واستراتيجيته لخلق دولة عصابات بديلة ضمن الدولة اللبنانيّة. وأن يتخلى عن منطق القوة ومطالبة الجماعات الأهليّة اللبنانيّة الأخرى بالذميّة السياسيّة والثقافية، من دون فرحٍ غامر بولائه وعلاقاته العصبويّة مع سُلطة ثيوقراطيّة قروسطيّة استبداديّة خارج بلاده.

كانت هذه الافتراضات (وهي مستحيلة التحقق في ظل هؤلاء المُنتصرين) جزءاً موضوعياً من سلوكيات المُنتصرين عبر التاريخ. كرسها بشكل استثنائي المنتصرون على ربيع الشعوب الأوروبيّة، قبل أكثر من قرن ونصف.

فما أن انتصروا على الهبات الشعبية وقتذاك، وتجاوزوا خطر الثورات الشعبية الشاملة التي كانت تهدد سلطاتهم، حتى طوروا نظامهم السياسي ليكون متوافقاً مع روح العصر الجديدة، وأنتجوا أفخم الإبداعات الإنسانيّة في الفنون والعمران والثقافة والعلوم، المبنية على تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة استثنائيّة، تُعيد توزيع القوة العامة. حيث كانت الصروح العلمية والصناعية والأدبية التي أنتجوها، بوابة لعصر النهضة الثاني، الذي توج بانتصار الحداثة نفسها.

على المنوال ذاته، أعاد التاريخ السيرة ذاتها غير مرة. فروح المُنتصرين كانت دوماً أكثر ثقة بنفسها، وبالتالي أقدر على امتلاك رؤية حول الذات والقضايا المُهددة للسلام الاجتماعي، وأكثر جدارة بالتفكير العميق بواجب العيش بأمانٍ عام، بعد الخلاص والانتصار على التحديات. حدث ذلك بعد عصر بناء الأمم في نهاية القرن التاسع عشر، ومن ثم بعد الحربين العالميتين، وأخيراً بعد انهيار جدار برلين وانتصار الرأسماليّة الليبراليّة.

لا يستطيع «المنتصرون» في سهوب منطقتنا البائسة أن يفعلوا شيئاً من ذلك، ولن يستطيعوا. لأن صراعهم المُفترض مع أعدائهم «البرابرة» ليس صراعاً على المستوى القيمي، بل مجرد معركة بين جيشين من العصبيات الأهليّة، المُتطابقين في المنطق والرؤية والسلوكيات. وأيضاً لأن محق الربيع العربي كان تحطيماً لمحاولة تغيير منطق وشكل الصراع، من أهلي وعصبوي، إلى سياسي وقيمي وثقافي.

ولأن علاقة هؤلاء المنتصرين بالعالم قائمة على أساس الزبائنيّة المحضة، فهم مُعجبون بالعالم الذي يؤمّن لهم مستوى عالياً من السيطرة والهيمنة على مُجتمعاتهم المحليّة، ويعترف بهم قوة انتدابٍ ونهبٍ عام على مناطق سيطرتهم. في الوقت عينه، فإنّهم يكرهون العالم الذي هو منظمات حقوقيّة وقوانين ودساتير وعلوم إنسانيّة وإعلام حُر وحريات مدنيّة وعامة. يحبون العالم الذي يشبههم، ويكرهون العالم الذي يشبه عدوهم الحقيقي، الربيع العربي.


* كاتب سوري