التاريخ: تموز ٦, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
عندما يفرغ الأردنيون من التبرّم! - موسى برهومة
عندما يفرغ الأردنيون من التبرّم من أحوال الطقس، سيعودون إلى ضيقهم المعتاد بالأوضاع الاقتصادية، وسيبدأ نفر منهم بإطلاق إشاعات بخصوص تعديل أو تغيير حكومي، بذريعة أنّ خطة الرئيس الحالي هاني الملقي باءت بالفشل، كما هو شأن نظرائه السابقين الذين جرى تغييرهم أكثر من خمسة وسبعين مرة!

ومن اللافت أنّ المعلقين والنخبة السياسية تنخرط في حمّى التوقعات بإسناد منصب الرئيس لهذه الشخصية أو تلك، وثمة من الراغبين في الإقامة في الدوار الرابع، وهو مقر رئاسة الوزراء، من يخوض عملية علاقات عامة لا تخلو من رشاوى وهدايا لبعض الصحافيين من أجل تلميع صورهم أمام صانع القرار، وإبراز مآثرهم الفذّة.

ولئن كان تغيير الحكومات في السابق يستأثر باهتمام الناس وفضولهم، فإنه في الآونة الأخيرة آخذ في الانحسار والضمور، لأنّ غالبية الأردنيين وصلت إلى نتيجة بأنّ الفارق بين أفضل رئيس وزراء وأسوأ رئيس وزراء هو شَعرة بسيطة، وأنّ غالبية من تسلموا رئاسة الوزراء في الأردن كانوا مؤهلين وقادرين، بيْد أن الظروف عاندتهم، وجرت الرياح بخلاف ما تشتهي سفنهم.

وإذا راقبنا أداء رؤوساء الوزراء الأحد عشر الذين تسلموا مواقعهم منذ العام 2000 حتى الآن، سنجد أنّ البيان الوزراي لدى كل واحد منهم لا يختلف جذرياً عما سواه، وجلهم انبرى لإحداث التغيير، وتحسين الأداء العام للحكومة، وحل المشكلات المستعصية على مستوى المديونية والصحة والتعليم ومكافحة الفساد، لكنّ السنوات السبع عشرة المنصرمة لم تحمل إلا التراجع في القطاعات المذكورة، والشروخ في الآصرة الوطنية، ومضاعفة فلكية للمديونية بلغت، وفق إفصاحات وزارة المالية الأردنية، حوالى 36.95 بليون دولار مع نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، وهو ما يعادل 95.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بنحو 38.7 بليون دولار للفترة ذاتها مقابل 93.4 في المئة في نهاية 2015.

الأرقام في القطاعات الأخرى مرعبة، إذ بلغت مديونية شركة الكهرباء الوطنية وسلطة المياه نحو بليون دولار حتى أواخر العام 2016، فيما زادت خسائر شركة الملكية الأردنية للطيران خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 259 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ووصلت الخسائر إلى نحو 37 مليون دولار مقارنة مع خسائر بلغت أكثر من 10 ملايين دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق إفصاح للشركة على موقع البورصة.

أما خسائر شركة الفوسفات فوصلت إلى مستوى غير مسبوق في تاريخها، وبلغت 126.74 مليون دولار.

ولعل مساحة هذه المقالة لا تكفي لاستعراض المزيد من خسائر الشركات والمؤسسات والقطاعات المتعثرة، ما يستدعي السؤال البديهي: ما السبب، ثم ما العمل؟

لعل أهم الأسباب وراء تراكم هذه الخسائر يعود إلى سوء الإدارة، وهو المعنى المنمّق للفساد الذي يكاد يكون بمثابة السرطان الضاري الذي يفتك بجسد الدولة الأردنية، في غياب آليات الرقابة «الحقيقية» للفساد والفاسدين الذين يحتلون فضاء المشهد السياسي والاقتصادي في البلد، من دون أن تتوافر آلية صارمة وصادقة لملاحقتهم وتقديمهم للعدالة، وتطبيق قانون «من أين لك هذا؟» أو «كيف تسنّى لك هذا؟»، بمعنى كيف تسلمت أيها المدير الهمام مؤسسة ناجحة وخرجت منها وهي تجرجر ذيول الديون.

ومثل هؤلاء المديرين الفاسدين كثيرون، لكنهم لانعدام قانون المساءلة لا يخضعون للتحقيق، ويتم تسجيل خسائر المؤسسات باعتبارها قضاءً وقدراً على المواطن أن يعوضه من جيبه!

وبسبب تراكم هذه الإخفاقات تناقصت، إلى مستوى مرعب، ثقة الأردنيين بحكوماتهم وبرؤوسائها، لا لعجز لدى أولئك، بل لانعدام الإرادة السياسية العليا في الإصلاح، وعدم إطلاق أيديهم في مكافحة الاختلالات البنيوية، وسدّ الثقوب، لأن مفهوم «الولاية العامة» للحكومة في الأردن أشبه بالغول والعنقاء والخلّ الوفي!
 

* كاتب وأكاديمي أردني