التاريخ: حزيران ٢٠, ٢٠١٧
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
أمراء الحرب في حلب وإعادة الإعمار بعد الحرب - توبياس شنايدر
بعد ستة أشهر من هزيمة قوات الثورة السورية أمام نظام الأسد في حلب، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، لا تزال الحاضرة التي كانت رائعة في السابق والتي تُعتبَر المدينة الأكبر في شمال سوريا، تترنّح تحت تأثير التداعيات الناجمة عن سنوات من النزاع العنيف. الخيوط المجتمعية والاقتصادية والمادية الدقيقة التي صنعت على امتداد عقود النسيج الاجتماعي الذي هو في أساس ثروة المدينة، فضلاً عن تماميتها الجغرافية والمجتمعية، ربما تعرّضت لأضرار لا يمكن إصلاحها. اليوم، تحوّل الجزء الأكبر من المدينة أنقاضاً، وبات عدد كبير من سكانها الذين كانوا أباة في ما مضى، يعيشون في فقر مدقع. التحديات الفورية التي تطرحها الحياة بعد استعادة السيطرة على المدينة، بدءاً من إعادة الإعمار وصولاً إلى المحاولات التي يبذلها نظام الأسد من أجل إعادة العمل بالخدمات وإرساء النظام من جديد، قد تعطينا لمحة أولى عما يمكن أن تبدو عليه سوريا بعد استعادة السيطرة التامة من جانب النظام. 

التدمير والمعافاة

الأذى الأكثر وضوحاً للعيان الذي أصاب حلب وما كانت تتمتع به من مزايا رائعة هو الضرر المادي الذي تكبّدته على امتداد أكثر من أربعة أعوام من القتال شبه المستمر. الدمار واسع جداً إلى درجة أن صور الأقمار الصناعية هي الطريقة الأكثر فاعلية لمسحه. بحسب تقويم أوّلي للأضرار يجمع بين التحليل النوعي الجغرافي المكاني والميداني في النصف الثاني من العام 2016، ثلث الوحدات السكنية على الأقل في مختلف أنحاء المدينة تكبّدت أضراراً مادية كبيرة أو تعرّضت للتدمير الكامل. وهذه الأرقام تعود إلى ما قبل الهجوم الأسوأ الذي وقع في تشرين الثاني وكانون الأول.

بعد أشهر من سقوط المدينة، لا تزال منظمات المساعدات الدولية والسلطات المحلية بطيئة في تحركها داخل هذه "الأحياء القابلة للدخول حديثاً"، بحسب المصطلح الذي تستخدمه الأمم المتحدة. لا يزال عدد كبير من الطرق التي تقود إلى الأحياء التي تحوّلت ركاماً، متضرراً أو مقطوعاً أو بحالة مزرية. تشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة بناء الشوارع التي تفوق مساحتها 70 كيلومتراً والتي تحتاج إلى تصليح فوري، تفوق مليار دولار أميركي. ويُعتقَد أن هناك حاجة إلى مبلغ مماثل لإعادة العمل بمحطة الطاقة الحرارية الكبيرة الوحيدة في حلب، والتي تُعتبَر المنشأة الأهم لتوليد التيار الكهربائي في البلاد، والتي كانت تغطّي، قبل الحرب، ستين في المئة من احتياجات المحافظة. في المقابل، لا تتعدى موازنة الحكومة السورية بكاملها لعام 2017، خمسة مليارات دولار أميركي.

في حين انهمكت وسائل الإعلام الرسمية في تسليط الضوء على إعادة الافتتاح الرمزية للساحات والمتاجر والمطاعم من حين لآخر من أجل الإيحاء بعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس الواقع بالنسبة إلى السوريين في المنطقة عادياً البتة. فعودة المدنيين كانت بطيئة إلى الأحياء الشعبية في شرق المدينة التي كانت ذات كثافة سكانية عالية في السابق. اعتباراً من الشهر الفائت، سجّلت الأمم المتحدة أن 153012 شخصاً يقيمون في الأحياء "المتضررة في أفضل الأحوال" التي كان الثوار يسيطرون عليها في السابق. إنهم يعيشون في غياب شبه تام للخدمات، ويعتمدون إلى حد كبير على المساعدات. عدد كبير منهم هم من العائدين، فضلاً عن الأشد فقراً الذين يتقاطرون من الأحياء الشرقية الشديدة الاكتظاظ والتي تعاني من ضغوط كبيرة، حيث ازداد عدد سكانها بمعدل الضعف تقريباً مع قدوم النازحين داخلياً إليها في ذروة النزاع.

يعكس التدمير القوة النارية غير المتكافئة للأطراف المتناحرة، وكذلك التكتيكات العشوائية التي يلجأ إليها نظام الأسد خلال القتال، ويتوزّع الدمار تالياً بطريقة غير متساوية إلى حد كبير. لقد دُمِّرت أحياء بكاملها في مناطق كانت تخضع سابقاً لسيطرة الثوار، مثل العامرية وتل الزرازير والمدينة القديمة وكرم الجبل، مع كل بناها التحتية، وسُوِّيت بالأرض، في حين لم تتكبّد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام سوى أضرار متفرّقة. البنى التحتية المائية والكهربائية في المدينة معطّلة إلى حد كبير، ولا يزال التقنين مطبّقاً في مختلف السلع والخدمات الأساسية.

الاقتصاد السياسي للمدينة بعد استعادة السيطرة عليها

التداعيات الاقتصادية - الاجتماعية، وتالياً السياسية، لافتة وتستحق التوقف عندها. تشدد معظم الروايات عن اندلاع القتال، وما أعقبه من تقسيم المدينة، على الانقسام الطبقي الأولي بين الأحياء الموالية للنظام الأكثر حضرية في الغرب والأحياء الشعبية في الشرق. في حين عانت المناطق السكنية الأكثر ثراء في الغرب من أضرار متفرقة في معظمها نتيجة نيران المدفعية العشوائية التابعة للثوار، اعتُبِر نحو 58 في المئة من المساكن الشعبية، لا سيما في المنطقة الشرقية الخاضعة لسيطرة الثوار، في خانة المتضرر أو المدمَّر. يمكن أن يتسبّب ذلك، مقروناً بالمرسوم الرئاسي 66 الشهير الذي أصدره الأسد - والذي يجيز مصادرة المستوطنات المدمّرة و"غير النظامية" وإعادة تطويرها - بفتح الباب على قيام النظام بإجراء إعادة هندسة أكثر ديمومة لتركيبة المدينة الديموغرافية.

يزيد الترابط الوثيق بين النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري للمقاتلين التابعين للنظام، من تعقيدات المسألة. لطالما كانت للحرب في حلب دينامية محلية، مع تحدُّر المقاتلين في جهتَي الخطوط الأمامية من المدينة ومحيطها المباشر في شكل أساسي. كانت بين المدافعين عن غرب حلب مجموعة منوّعة من الميليشيات: كتائب البعث بقيادة هلال الهلال، وقوات الدفاع الوطني بإمرة رجل الأعمال السابق ومالك الأراضي سامي أوبري الذي جرى تجنيده من شباب المدينة.

في الواقع، بعد صدور مرسوم رئاسي عام 2013 أجاز إنشاء ميليشيات لحماية السلع الأساسية، انتقل بعض الأشخاص الأكثر ثراء في حلب، مثل الصناعي محمد جمول، إلى قطاع الميليشيات المزدهر. ومع دمار الصناعة في حلب (تحوّلت مدينة ملاهٍ شهيرة مملوكة من أوبري ساحة معركة سيئة السمعة)، أصبح استغلال الحرب القطاع المربح الأخير المتبقي في سوريا. وهكذا، بعد أعوام من النزاع، ظهرت قاعدة ناخبة سياسية - اقتصادية جديدة في المدينة.

على سبيل المثال، وبعدما باتت التغذية بالتيار الكهربائي من الشبكة العامة تقتصر على ساعتَين في اليوم، ظهر أكثر من مئة مولّد كهربائي مملوك من جهات خاصة في الأحياء في مختلف أنحاء الجزء الغربي من المدينة. تُظهر التجارب في لبنان والعراق أنه يمكن أن يتحوّل هؤلاء المتعهّدون الانتهازيون سريعاً قوة سياسية. أصبح هذا النموذج، وسواه من النماذج المشابهة في الأعمال، مصالح راسخة جديدة يجب أن تؤخَذ في الاعتبار في أي خطة لإعادة إعمار حلب. يتعذّر إعادة بناء الحاضرة المدمّرة من دون موافقة سماسرة النفوذ الموالين للنظام الذين ظهروا في فراغ الحرب، لا سيما على ضوء عجز الحكومة المركزية عن كبح نفوذهم وامتدادهم.

منذ استعادة السيطرة على الجيوب التي كانت خاضعة للمعارضة، خرجت إلى العلن بصورة مطردة مظالم السكان المحليين التي تعتمل منذ وقت طويل إنما التي كانت مكبوتة سابقاً. يتهم صحافيون ونشطاء ومسؤولون محليون "العصابات المسلحة" بالسرقة والنهب والقتل والاقتتال الداخلي، وفي شكل خاص بالابتزاز عند نقاط التفتيش، ما يؤدّي إلى ارتفاع الأسعار واستفحال المعاناة الإنسانية داخل حلب، فضلاً عن إثارة القلق بشأن بيئة الأعمال. في واقعة شهيرة، مُنِع رضا الباشا، من قناة "الميادين" التلفزيونية الصديقة لـ"حزب الله"، من ممارسة عمله وإعداد التقارير من داخل سوريا بعدما انتقد العناصر المجرمين في قوات النظام (لا سيما قوات النمر بإمرة العقيد سهيل حسن الذي ارتقى إلى منصب قائد مديرية مخابرات سلاح الجو النافذة في حلب).

حتى بعض شخصيات النظام الأكثر بروزاً في المدينة رفعت صوتها هي أيضاً تعبيراً عن احتجاجها. فقبل فترة وجيزة، قام فراس الشهابي، وهو نائب في البرلمان السوري ورئيس غرفة الصناعة السورية، بتحميل مقطع فيديو عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يحمل سلاح كلاشينكوف في يده متحدّثاً بغضب ضد منظومة الابتزاز. سعى قرار صدر عن اللواء زيد صالح، رئيس اللجنة الأمنية في محافظة حلب، في شباط الماضي إلى طرد الميليشيات من المدينة، إلا أنه يبدو أنه لم يكن له تأثير كبير. في الآونة الأخيرة، وبعد الخطوة التي قام بها الشهابي، يُقال إن دمشق تدخلت لإلغاء ما يُعرَف بـ"الترفيق" أي دفع أصحاب الشاحنات مبالغ مالية لعناصر الحواجز بحجة مرافقتهم من منطقة إلى أخرى لدى دخول حلب. غير أن ديناميات النفوذ الأساسية ظلت على حالها.

التأثير الإيراني المتنامي

أبعد من الصراع بين أمراء الحرب على المستوى المحلي، يستمر التأثير الإيراني في المدينة في النمو أيضاً. فالحرس الثوري الإسلامي لم يعزّز شبكته الهائلة من الميليشيات الشيعية الأجنبية وحسب، بل عمد أيضاً إلى توسيع دوره وتقنينه بين المواطنين السوريين في مختلف أنحاء محافظة حلب. كما أن التنظيم المسمّى "قوات الدفاع المحلية" الذي يقع رسمياً خارج إطار هيكلية القيادة السورية، والذي يشكّل مظلة للمجموعات الخاضعة للسيطرة الإيرانية مثل "لواء الإمام الباقر"، شهدَ زيادة في عديد عناصره وبات يضم نحو 26 ألف مقاتل في محافظة حلب وحدها.

يقدّم هذا التنظيم الذي يُعفى عناصره من التجنيد الإلزامي ومن الخضوع لتنظيمات الجيش السوري، فرصاً، وخدمات إنسانية واجتماعية أساسية وكذلك خدمات لقدامى المحاربين يُفيد منها أبناء حلب الذين كانوا ليصبحوا لولا ذلك مُعدَمين اقتصادياً. خلال سقوط الجيب الشرقي الذي كان خاضعاً لسيطرة المعارضة، تولّى "لواء الإمام الباقر"، إلى جانب مشاركته في القتال على الجبهات الأمامية، إدارة نقطة التفتيش الأهم للمدنيين الهاربين من المعارك. وفي الآونة الأخيرة، سوّق ضباط اللواء لأنفسهم بأنهم يتفاوضون من أجل تأمين عودة النازحين إلى الأحياء الشرقية، وبأنهم يتولّون قيادة الهجمات في عمق البلاد.

 في المطلق، تتخطى إعادة إعمار حلب بكل وضوح الإمكانات المادية لإيران. غير أن الجمهورية الإسلامية و"حزب الله" اكتسبا شرعية واسعة في صفوف الموالين للنظام على خلفية دورهما في استعادة السيطرة على المدينة، ويبدوان مستعدَّين لاستخدام هذه الشعبية من أجل ممارسة تأثير أكثر ديمومة. في كانون الثاني الماضي، في أعقاب انهيار جيب الثوار، وقّعت دمشق وطهران خمس مذكرات تفاهم تتعلق في شكل أساسي بالاستثمار الاقتصادي. وقد شدّد محافظ حلب، حسين دياب، على أن إيران سوف "تؤدّي دوراً مهماً في جهود إعادة الإعمار في سوريا، لا سيما في حلب". في حين أنه لا يزال من الصعب الاتفاق على تفاصيل هذا التدبير، روّجت ما يُسمّى بـ"هيئة إعادة الإعمار الإيرانية" لمبادراتها الأولى، أبرزها ترميم 55 مدرسة في مختلف أنحاء محافظة حلب. وفيما يذكّر اسم المشروع بوضوح بـ"الهيئة الإيرانية لإعادة إعمار لبنان"، التي أنشئت بعد حرب "حزب الله" مع إسرائيل عام 2006، لا تزال درجة التزام طهران الفعلي بإعادة إعمار هذه المدينة ذات الأكثرية السنّية، غير واضحة المعالم.

خلاصة

بعد أكثر من أربعة أعوام من القتال والاقتصاد الحربي، تحوّلت حلب مدينة معدَمة، وتمزّقَ نسيجها الاجتماعي إرباً إرباً. نظراً إلى إمكانات النظام المحدودة والضائقة المادية التي يعاني منها، يتعذر على الأرجح إعادة إعمار المدينة المتوغّلة في القدم، والتخفيف من معاناة أبنائها بصورة دائمة، من دون الحصول على مساعدة دولية. لكن ينبغي على المانحين المحتملين أن يتنبّهوا ليس فقط لحجم المشكلة التي تطرحها إعادة الإعمار في ذاتها، إنما أيضاً للأجواء السياسية والاقتصادية والعسكرية المعقّدة في المدينة، تفادياً للمساهمة في تعزيز أطماع نظام الأسد الاستبدادية أو مكافأتها.

محلل مستقل للأمن الدولي متخصص في الاقتصاد السياسي للعنف في المشرق. 
 Middle East Institute