التاريخ: حزيران ٢٠, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
اترك القلق وابدأ الحياة - حازم صاغية
نحتار أحياناً في أمور لا بدّ من الوضوح والحسم فيها: ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ ماذا نلبس؟ ماذا نقول؟ ماذا نفكّر؟ كيف نربّي أبناءنا؟

الحيرة إنسانيّة جدّاً. إنّها مصدر لأفكار كثيرة واكبت التطوّر التاريخيّ، لا بل أثّرت فيه وحكمت بعض مساراته، لكنّها مع هذا مُقلقة ومعذّبة للحائر، خصوصاً أنّ الذين قد يساعدون في تبديدها وهدايتنا إلى الإجابات باتوا قليلين. قرّاء الأكفّ والفناجين يكادون ينقرضون. الناصحون والوعّاظ والمعلّمون صرنا نعتبرهم أبويّين جدّاً...

هذا الوضع الباعث على اليأس كان صحيحاً حتّى يوم الجمعة الماضي. قبل خمسة أيّام، وللمرّة الأولى، نزل إلى الأسواق ما يبدّد الحيرة والقلق. عدد من الشبّان، قذف الله في صدورهم نوراً وبثّ في عزائمهم فولاذاً، قرّروا إنقاذنا من ضلالنا. لقد نذروا أنفسهم لذلك في إصرار عجيب يشبه إصرار القدّيسين.

الزميلة «الأخبار» نشرت تقريراً لجماعة تزيل الحيرة وتُطلع الوضوح، تماماً كما تفعل الأدوية والدهون التي تُطلع الشَعر في الرأس حيث يضرب الصَلع.

العنوان، الذي يشبه الإعلانات التجاريّة، لا يخلو من دلالة: «اخترنا لكم لهذا الصيف».


هنا، وعلى عكس المألوف في حالات مشابهة، لا تتوقّعوا تخفيضات في الأسعار. إرشادكم إلى الحقيقة ينبغي دفع ثمنه. الذين يفكّرون بالنيابة عنكم كي ينقذوا أرواحكم من الشيطان، أقساطهم مرتفعة.

تقرير هؤلاء يقتصر على أشهر الصيف الثلاثة، إذ بعدها يأتي تقرير آخر ثمّ يليه آخر... وهكذا. إنّهم من النوع الذي لا يترك زبائنه في حيرة من أمرهم ولو للحظة واحدة.

على أيّ حال، التقرير المذكور ينبّهنا جازماً: إيّاكم أن تحضروا أو تشاهدوا عدداً من النشاطات التي يُفترض أن يحضنها لبنان هذا الصيف. النشاطات التي يحرّمونها تشمل المهرجانات الفنّيّة والسينما، لكنّها أيضاً تشمل... الرياضة.

في ظلّ ضعف الدولة وعجزها عن ممارسة الإرشاد، لا بدّ أن يتصدّى للمهمّة طرف غيريّ متطوّع. أخ أكبر آثر ألاّ يترككم هكذا في مهبّ الحيرة واحتمالات الخطأ والخطيئة.

تفاعلكم معه وإقبالكم على توجيهاته ضروريّان. لماذا؟

للأسف، هذه الجماعة الصالحة والعارفة يقتصر جهدها، حتّى الآن، على تنبيهنا إلى ما لا ينبغي أن نفعله في المجالين الثقافيّ والرياضيّ فحسب. إقبالكم قد يقنعها بأمرين: أوّلاً، أن تقول لنا ما الذي ينبغي أن نفعله في هذين المجالين: شاهدوا كذا واحضروا كذا وصفّقوا لكذا... «المنقذ من الضلال»، على ما أوحى الإمام الغزالي، لا يكتمل إلاّ بالوصول «إلى ذي العزّة والجلال». المهمّة الإيجابيّة لا بدّ أن تلي المهمّة السلبيّة حتّى يتمّ القصد.

وثانياً، أن توسِّع نشاطَها إلى مجالات أخرى قد يتسلّل إليها القلق والغموض. لهذا، فأوسع المشاركة والتفاعل مطلوب. إنّه قد يغري الجماعة المتطوّعة بالتقدّم نحو حقول أخرى تتولّى فيها فرز الخطأ عن الصواب. هكذا يوصل أفرادها المتفانون في خدمة الحقّ معرفتهم إلى جوانب في حياتكم لا تزال تسبّب لكم القلق وقد تغريكم بالخطيئة. هكذا يغدو لكلّ سؤال جواب، فيما نضع أقدامنا أخيراً على الطريق الصائب: بعد فصل الصيف هذا لن تعود النفس أمّارة بالسوء. اتركوا القلق وابدأوا الحياة...

بالانتقال إلى الجدّ: هذه المهزلة المتواصلة تتكّئ بالطبع على سلاح «حزب الله». على تلك السلطة الخفيّة جدّاً والحاضرة جدّاً. لو أعارهم «حزب الله» بعض مسدّساته التي لم يعد يحتاج إليها لما تردّدوا في ارتكاب الفظاعات بحقّ من يحضر مباراة رياضيّة يشارك فيها رياضيّ حطّت به الطائرة ذات مرّة في «الكيان الصهيونيّ». سلوكهم الزجريّ يوحي أنّهم مستعدّون لكلّ شيء من أجل إصلاحنا. الوجه الجيّد من هذه المهزلة أنّ «حزب الله» عقله أكبر من عقولهم، وهو يعرف أنّ الشبّان عاطفيّون أكثر ممّا يجب. أنّ إصابتهم العاطفيّة خطرة ولا يؤتمن لها، مثلها مثل كلّ إصابة عاطفيّة متطرّفة. لهذا يُرجّح ألاّ يعطيهم مسدّسات، ولو من فلّين. ما سنعانيه في هذه الغضون مجرّد كلام من فلّين. كلام كثير من فلّين. لكنّ هذا مقدور عليه.