التاريخ: حزيران ٤, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
المعركة الممتدة بين الليبراليّة والشعبويّة: افتراضان للاختبار - وحيد عبدالمجيد
ستبقى المعركة بين الديموقراطية الليبرالية والنزعات القومية الشعبوية ممتدة لسنوات عدة. الانتخابات الرئاسية في فرنسا، والبرلمانية في هولندا، حملت بُشرى وأعطت أملاً بإمكان الانتصار على الشعبوية، بعد الاختراق الذي حققته في الانتخابات الأميركية، وقبلها في استفتاء «بريكزيت» البريطاني.

ما زالت المعركة في الميدان. وما برحت القطاعات الحية في المجتمعات التي عرفت نعمة الحرية لفترات طويلة، قادرة على مقاومة المد القومي الشعبوي، لكن من دون أن تستطيع بعث الحياة في الليبرالية. لذا، قد تتآكل هذه القطاعات في حال استمرار الجمود الذي أضعف أداء المؤسسات الديموقراطية على مواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية جديدة غير معهودة، وأخرى قديمة مزمنة.

تنامت الشعبوية الراهنة، إذاً، نتيجة إخفاق متكرر في حل أزمات متراكمة يلجأ عدد متزايد من ضحاياها إلى من يداعبهم بخطاب براق يلتمسون فيه إنقاذاً. ولا ينبغي المبالغة في أهمية نتيجة الانتخابات الفرنسية، أو الركون إلى نتيجة الانتخابات المبكرة في بريطانيا الخميس المقبل، حيث لم تتجسد الشعبوية بعد في جسم سياسي متماسك، مثلما لا يصح التعويل على اتجاه ترامب للتكيف نسبياً مع تقاليد الديموقراطية الأميركية ومؤسساتها، واتجاهه الى مراجعة بعض المواقف الحادة أو الغريبة التي تبناها في حملته الانتخابية، ومحاولته التعود على التقاليد المؤسسية، وهو الذي لم يعرف مثلها في حياة عملية طويلة اعتمد فيها على الروابط العائلية.

لكن هذا التكيف النسبي لا يحل الأزمة العميقة التي أوصلته إلى البيت الأبيض، وكادت تأخذ مرشحة أسوأ منه إلى الإليزيه، ويمكن أن تجعل فرصتها أكبر بعد خمس سنوات إذا لم يتراجع الغضب والإحباط اللذان وعد إيمانويل ماكرون في «خطاب النصر» بأن يعمل ما في وسعه لمعالجة أسبابهما. ويعني ذلك أن فوز ماكرون قد يكون الفرصة الأخيرة التي يبدو أنها ما زالت ضعيفة.

لقد هُزمت الشعبوية في فرنسا، وستخسر في بريطانيا ثم ألمانيا، واضطر ترامب إلى التكيف مع التقاليد الديموقراطية لأميركا، لأن القوى الحية في مجتمعات هذه البلدان ما زالت قادرة على المقاومة. لكن العامل الذاتي لا يُعطّل الظرف الموضوعي إذا ازدادت أزمة الديموقراطية الليبرالية، واستمر الانفصال بين النخب السياسية والثقافية التي تؤمن بها وقطاعات واسعة في المجتمع. وحين تجهل هذه النخب ما يتعين فعله، ولا تعرف الطريق إلى إصلاحات مُلحة، يُفتح طريق أمام من يزعمون أنهم يتحدثون باسم الشعب ويدافعون عنه في مواجهة عجزها أو تعاليها أو فسادها، ويحصلون على تعاطف الغاضبين والمحبطين. ويتيح تأمل تفاعلات المعركة بين الديموقراطية والشعبوية أخيراً، طرح افتراضين أساسيين يتعين اختبارهما في الفترة المقبلة.

الافتراض الأول يدعو إلى التفاؤل، وهو أن حكم الفرد متعذر في البلدان التي توطدت فيها ثقافة ديموقراطية على مدى فترة طويلة من الزمن. وهذا في حد ذاته عائق أمام المد القومي المتطرف لأن طابعه الشعبوي ينطوي على نوع من الحكم الفردي بزعم الحصول على تفويض شعبي لا ينتهي. وثمة فرق يتعين الانتباه إليه بين دولة لم تعرف الاستبداد منذ تأسيسها (الولايات المتحدة)، ودول صار الاستبداد فيها تاريخاً مضى (الدول الأوروبية التي توطدت فيها دعائم الديموقراطية)، وأخرى لم تعرف إلا الاستبداد حتى الآن.

الحكم الفردي مألوف في البلدان التي لا تعرف تقاليد ديموقراطية، أو عرفتها في شكل عابر، سواء كان الفرد حاكماً لا شريك له، أو كان واجهةً لأجهزة أمنية وعسكرية تُحكم قبضتها على السلطة.

ويتلخص الافتراض هنا بأن عدم توافر مقومات الحكم الفردي في بلدان توطدت فيها الثقافة الديموقراطية، وأُرسيت تقاليد مؤسسية، يجعل انتصار الشعبوية صعباً، أو يفرض عليها التكيف مع تلك التقاليد والثقافة.

لكن لا ننسى أنه باستثناء أميركا، تطورت الثقافة الديموقراطية والتقاليد المؤسسية بعد قرون طويلة من الاستبداد. لذلك، ينطوي اختبار الافتراض الأول على سؤال مهم عما إذا كان الاستبداد قد صار تاريخاً أُسدل ستار عليه، أم أن إعادة إنتاجه ممكنة في صور جديدة.

ونصل، هنا، إلى الافتراض الثاني الذي يُقلل الأثر التفاؤلي لسابقه، وهو أن تراجع القوى الشعبوية المتطرفة في الغرب من دون استعادة الديموقراطية فاعليتها وقيمها الليبرالية، قد يخلف انعطافاً نحو شعبوية أقل تطرفاً. وقد يزداد هذا الانعطاف بفعل ضغوط القوميين المتطرفين الذين أصبحوا أقوى على رغم هزيمتهم. فقد أضافت مارين لوبن مثلاً، إلى رصيدها 1.2 مليون صوت فى الجولة الأولى الأكثر دلالة، وتخطت في الجولة الثانية أعلى نسبة حصل عليها حزبها «الجبهة الوطنية» في انتخابات سابقة. كما أن بدء تنامي شعبوية أخرى يسارية يزيد المعركة حدة. فالشعبوية اليسارية لا تقل خطراً على الديموقراطية الليبرالية من شعبوية اليمين القومي المتطرف.

لذلك، يصعب الحديث عن نجاة من خطر الشعبوية مهما تكن أهمية نتيجة الانتخابات في دولة بحجم فرنسا، أو غيرها، خصوصاً حين يكون ثمن الفوز على أحزاب قومية متطرفة استنساخ بعض الديموقراطيين عناصر من خطابها، كما يفعل حزب المحافظين الآن وقد تبنى خطاب الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو التضحية بالليبرالية لمصلحة نسخة مشوهة توصف بأنها جديدة، يُعد ماكرون، مثلاً، أحد أبنائها.

وقد لا يؤدي فوز كهذا في الانتخابات إلى انحسار حقيقي للشعبوية، بل ربما خلق أشباه شعبويات أقل تطرفاً، لكنها ليست أقل خطراً، كونها تدل على استمرار معضلة الليبرالية. وربما أفاد هنا تأمل تحليل الباحث الهولندي كاس مود للشعبوية بوصفها رداً ديموقراطياً غير ليبرالي (والأدق رد غير ليبرالي عبر الآليات الديموقراطية) على ليبرالية غير ديموقراطية. وهو يقصد بليبرالية غير ديموقراطية الأحزاب الوسطية التي تدرك أهمية ثقافة الحرية، لكنها تفشل في تطوير مؤسسات النظام الديموقراطي وتعجز عن الوفاء بما تنتظره فئات اجتماعية عريضة من هذا النظام.

وفي كل الأحوال، يصعب تصور انحسار الشعبوية في الغرب إذا بقيت المؤسسات الديموقراطية بلا إصلاح تأخر كثيراً. أما انحسارها الحقيقي، فيظل مرتبطاً بإعادة بناء الأحزاب والتيارات الوسطية، وتجديد الطبقة السياسية، وإصلاح المؤسسات الديموقراطية وعقلنتها وترسيخ القيم الليبرالية، وتوسيع النقاش العام في المجتمعات سعياً إلى نقطة التوازن الصعبة بين متطلبات حرية الاستثمار والتجارة، والحاجات الاجتماعية الأساسية.