التاريخ: تموز ٢٦, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
التخاذل الأميركي المريب في مواجهة «داعش» - السيد يسين
أصدر رئيس أركان حرب الجيش الأميركي بياناً بالغ الغرابة أثار الدهشة الشديدة لدى عديد من المحللين السياسيين والمفكرين الاستراتيجيين.

فقد قال إن مواجهة «داعش» عسكرياً بالغة الصعوبة، وأنه يتوقع أن تستمر هذه المواجهة حين تبدأ من عشر سنين إلى عشرين سنة!

وإذا كان صاحب هذا التصريح هو قائد أقوى الجيوش العالمية بإجماع الخبراء العسكريين وهو الجيش الأميركي، فإن ذلك يثير العديد من التساؤلات المهمة.

وليس أدل على قوة الجيش الأميركي من مقارنة البحرية الأميركية ببحرية كل الدول الأوروبية مجتمعة. سنجد - كما سبق للكاتب الأميركي بول كنيدي صاحب الكتاب الشهير «صعود وسقوط القوى العظمى» أن أميركا تملك على الأقل سبع حاملات طائرات في حين أن الجيش الفرنسي يملك بالكاد حاملة طائرات واحدة! وقد وصف في مقالة التشكيل العسكري لحاملة الطائرات الأميركية والتي تضم عشرات الطائرات وألوف الجنود من مشاة البحرية إضافة إلى عشرات سفن الحراسة. ومعنى ذلك أن حاملة الطائرات الأميركية تتحرك وكأنها جيش متكامل متحرك.

ولو نظرنا إلى الموازنة العسكرية للجيش الأميركي سنجد أنها تفوق كل موازنات الدول الأوروبية مجتمعة، وأنها تمثل أكبر موازنة عسكرية في التاريخ!

والسؤال المحوري كيف - والحال هكذا - يعجز هذا الجيش الأميركي المهول بحاملات طائراته وصواريخه ودباباته ومشاته عن مواجهة عصابة «داعش» الإرهابية، والأنكى من ذلك -كما قرر رئيس الأركان الأميركي- أن المسألة تحتاج إلى عشرين عاماً كاملة للقضاء عليها؟

ولذلك ينبغي أن نقف طويلاً بالتحليل النقدي امام هذا التصريح المريب!

هل هو تصريح سياسي يخفي وراءه عدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة «داعش» لأن لها مصلحة ما في استمرار تمدد التنظيم، سواء في سورية والعراق أو قفزه إلى ليبيا واليمن وغيرها من البلاد العربية، لأن هناك هدفاً استراتيجياً أميركياً هو التمزيق النهائي لخريطة العالم العربي، وهدم دوله وتحويلها إلى دويلات وقبائل متحاربة حتى تصبح إسرائيل هي الدولة العظمى في إطار رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط؟

هل المبرر هو ضمان الهيمنة الكاملة على الدول العربية النفطية ضماناً لتدفق النفط في ظروف غير مؤاتية لهذه الدول؟

في تحليلي النقدي لهذا التصريح الغريب - والذي يعلن مسبقاً الهزيمة الأميركية أمام عصابات «داعش» - آثرت أن أعود إلى «نظرية الجيل الرابع للحروب» التي تتردد كثيراً في التحليلات الاستراتيجية المعاصرة لتفسير سلوك الجماعات الإرهابية التي تطبق استراتيجيات وتكتيكات حربية جديدة سمحت لها بتحقيق انتصارات مشهودة ضد جيوش نظامية. ولعل نموذج تمدد «داعش» في سورية كان يمثل المشهد الأول وإن كان يعد مشهداً غير ممثل - إن صح التعبير- لأن تمدد «داعش» في سورية تم بعد انهيار الدولة السورية بعد الثورة التي قامت ضده والتي أدت في الواقع إلى حرب أهلية بين فصائل متعددة متناحرة، بحيث لا يمكننا أن نقول إن الجيش السوري هزم أمام عصابة «داعش»، لأن الأطراف الضالعة في الحرب متعددة ومتنوعة في خلفياتها الإيديولوجية وعقائدها وأنماط تحالفاتها، سواء مع دول غربية أم دول عربية.

ولذلك يمكن القول إن المشهد النموذجي تمثل في امتداد «داعش» إلى العراق بعد إعلان «الخلافة الإسلامية» المزعومة ونجاحها في احتلال مساحات شاسعة ومدن استراتيجية عراقية حتى أن هذه العصابات «الداعشية» أصحبت تهدد العاصمة بغداد!

هل صحيح أن الجيش العراقي هزم في المعركة أم أنه انسحب أمام «داعش» نتيجة تآمر وتواطؤ قياداته العسكرية التي لم تستطع أن تدافع عن شرفها العسكري أمام شراذم من العصابات الإرهابية؟ وهل صحيح أن هذا الجيش العراقي المزعوم الذي شكلته ودربته وأنفقت عليه أميركا ملايين الدولارات – بعد أن سرحت الجيش العراقي بعد غزوها الإجرامي للعراق - لم يستطع أن يدافع عن أرض بلاده؟

لقد حاول الخبراء الاستراتيجيون تفسير نجاحات «داعش» بأنها التعبير الأمثل لما أطلقوا عليه «الجيل الرابع من الحروب».

وأصحاب هذه النظرية يقسمون الحروب الحديثة إلى أربعة أجيال. الجيل الأول هو الحروب الكلاسيكية بين الدول، والجيل الثاني نشأ بفضل التكنولوجيات التي اخترعت في القرن التاسع عشر والتي سمحت بإنتاج أسلحة لها قوة نيران عالية غير مسبوقة، وقد يكون اختراع «المدفع الرشاش» أحد وسائل هذه الحرب والتي غيرت مسار الحروب لأنها أعطت كتائب المشاة قوة نيران غير مسبوقة. والجيل الثالث شهد تطوراً ملحوظاً قام على أساس الهجوم المفاجئ Blitzkrieg الذي اشتهر به الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية.

أما الجيل الرابع من الحروب فيتسم بسمات جديدة مختلفة عن كل الحروب السابقة، وهي الحرب التي يمكن في تعريفها اعتبار أنها صورة متطورة من صور التمرد المسلح.

هي حرب لا تمييز فيها بين «العسكري» و «المدني» وهي لا تمارس في ميدان محدد للمعركة Battlefield كما كان الحال في الحروب السابقة حين تذكر مثلاً معركة ستالينغراد والتي هزم فيها الجيش السوفياتي الجيش الألماني ورده على أعقابه وطارده على مستوى أوروبا كلها حتى وصل إلى برلين واحتل قسماً منها. ولكن حروب الجيل الرابع تمارس في ما يطلق عليه «فضاء المعركة» Battle Space ولعل المساحة الشاسعة بين سورية والعراق التي تمدد فيها تنظيم «داعش» تمثل خير تمثيل هذه الفكرة. وذلك لأن معارك «داعش» لم تحارب في إطار ميدان معركة محدد الملامح ولكنها مورست في هذا القضاء الشاسع. وإذا أضفنا إلى ذلك أنه من بين ملامح حروب الجيل الرابع استخدامها البالغ الذكاء للعالم الافتراضي من خلال الترويج لعقائدها ونشر صور مذابحها للرهائن لبث الرعب في النفوس على شبكة الإنترنت، لأدركنا أن وصف فضاء المعركة وصف بالغ الدقة حقاً، لأن هذا النمط الجديد من الحروب لا يحارب على الأرض فقط ولكن يحارب في الفضاء من خلال غزو عقول البشر لجذبهم إلى صفوف المقاتلين الإرهابيين. ولعل ما يؤكد ذلك أن مقاتلين إرهابيين من جنسيات متعددة ومن بينها جنسيات أوروبية سافروا إلى سورية والعراق للانضمام إلى عصابات «داعش».

في ضوء هذا التحديد الدقيق للسمات الفارقة لحروب الجيل الرابع يمكن القول إن هناك صعوبة حقيقية للجيوش النظامية في مواجهة العصابات الإرهابية لأن المقاتلين يختلطون بالمدنيين في فضاء المعركة من ناحية، ولأن الجيوش النظامية غير مدربة على ممارسة حرب العصابات كما ثبت في هزيمة الجيش الأميركي في كل من فيتنام وأفغانستان والعراق.

ولكن تحدي الجيل الرابع من الحروب يمكن مواجهته -في ضوء الإرهاب المعولم – بأن تغير الجيوش النظامية- ومنها الجيش الأميركي عقائدها العسكرية وأن تنحي جانباً المدرعات والطائرات والغواصات وأن تدرب قوات المشاة وكأنها «قوات صاعقة» تتميز بخفة الحركة والقدرة على المناورة. هكذا تحدث بعض كبار الخبراء الاستراتيجيين عن الطريقة الفعالة لمواجهة «داعش» وهذه الفكرة تحتاج إلى مناقشة أعمق في المستقبل القريب.

* كاتب مصري