التاريخ: تموز ٢٩, ٢٠٢٠
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
مقتل ثالث متظاهر في بغداد خلال يومين بعد مواجهات مع قوات الأمن
«الداخلية» تتحدث عن «مجاميع إجرامية»... والتيار الموالي لإيران يروّج للاحتجاجات
بغداد: فاضل النشمي
توفي متظاهر أمس متأثراً بجروحه بعدما أصيب في الرأس بقنبلة غاز مسيل للدموع خلال مواجهات ليلية في «ساحة التحرير» بالعاصمة العراقية بغداد، كما أكدت مصادر طبية وأمنية، وهو ثالث متظاهر يقتل خلال يومين.

وتوفي متظاهران صباح الاثنين أيضاً متأثرين بجراحهما بعدما أصيبا بقنابل مسيلة للدموع، فيما أجج ذلك المظاهرات الدائرة في «ساحة التحرير» التي كانت مركز حركة احتجاجية غير مسبوقة في العراق انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وهؤلاء هم أوائل المتظاهرين الذين يقتلون منذ تنصيب حكومة مصطفى الكاظمي قبل أقل من 3 أشهر.

ووعد الكاظمي بالكشف عمن يقفون وراء هذا العنف، وتعهد مجدداً مساء الاثنين بالحفاظ على «الحق المشروع» في التظاهر بعد وفاة متظاهرَين. ولكن بعد ساعات، عاودت الشرطة إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق عشرات العراقيين الذين طفح بهم الكيل جراء انقطاع التيار الكهربائي في ظل موجة قيظ.

وقال طبيب لوكالة الصحافة الفرنسية: «أصيب متظاهر في رأسه وصدره بقنبلة غاز مسيل للدموع أطلقت عليه مباشرة. لقد توفي متأثراً بجروحه بعد إدخاله العناية المركزة». وقالت مصادر طبية إن 13 متظاهراً آخرين أصيبوا خلال الليل.

ويبدو التضارب واضحاً بشأن المعلومات المتعلقة بما حدث من مواجهات، خلال اليومين الأخيرين. وفيما يتهم بعض الناشطين القوات الحكومية بتعمد فتح النار على المتظاهرين، إضافة إلى إحراق معظم خيام الاعتصام في «ساحة التحرير» خلف «نصب الحرية»، تقول وزارة الداخلية إن نتائج التحقيقات الأولية التي أمر رئيس الوزراء بإجرائها «أظهرت وجود مجموعات إجرامية خطيرة» تسعى لصنع الفوضى عبر مهاجمة المتظاهرين من الداخل. وذكرت الوزارة في بيان، أمس، أن أجهزتها الأمنية «رصدت خلال الساعات المنصرمة وفي ضوء نتائج التحقيق الأولية في أحداث ليلة الأحد - الاثنين مجموعات إجرامية خطرة في ساحة التحرير تسعى لصنع الفوضى عبر ضرب المتظاهرين من الداخل وافتعال الصدامات مع الأجهزة الأمنية التي تهدف إلى حفظ أمن الساحة وحق التعبير السلمي عن الرأي». وأكدت على «توجيهات القائد العام للقوات المسلحة بعدم استخدام الرصاص الحي مع المتظاهرين لأي سبب كان، وقد صدرت توجيهات مشددة بهذا الشأن».

ولعل ما يزيد حدة الاضطراب والاستقطاب معاً في أحداث «ساحة التحرير» الأخيرة، دخول مجاميع القنوات والشخصيات «الولائية» المحسوبة على «ولاية الفقيه» الإيرانية على خط المظاهرات والترويج المتواصل لموجة جديدة من الاحتجاجات، بينما كانت تلك القنوات والشخصيات من أشد الجهات المناهضة لـ«حراك أكتوبر (تشرين الأول)» 2019، واتهمت القائمين عليه بشتى التهم والنعوت.

صحيح أن غالبية الاحتجاجات التي خرجت في محافظات وسط وجنوب العراق، مطلبية وتركز على الخدمات الأساسية، خصوصاً المتعلقة بتوفير الطاقة الكهربائية، إلا إن التحولات الحادة التي طرأت على موقف الجماعات الولائية من المظاهرات تعزز من فرضية أن تلك الجماعات، وبحسب عدد غير قليل من المراقبين، أخذت مؤخراً تسعى للاستثمار في حالة الغليان الشعبي للتأثير على حكومة الكاظمي وإظهار عجزها في معالجة قطاع الخدمات الذي يعاني التردي منذ سنوات طويلة. وقد أشار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى ذلك في كلمة وجهها إلى المواطنين العراقيين أول من أمس، حين قال: «أشعر بألم شديد وأنا أرى شعبي وأهلي وهم يعانون من حرٍّ لاهب، بسبب الخراب وسوء الإدارة في الكهرباء، كنت أتمنى لو كان بيدي حلّ سحري، ولكن مع الأسف، سنوات طويلة من التخريب والفساد وسوء الإدارة، لا حلّ لها في ليلة وضحاها». وأضاف: «ليس من العدل والإنصاف أن نطلب من حكومة عمرها الفعلي شهران، أن تدفع فاتورة النهب والسلب الذي ارتكبته جماعات وحكومات سابقة». ويتابع العراقيون هذه الأيام القنوات وغالبية المنصات الإعلامية المحسوبة على التيار الموالي لإيران في العراق وهي تخصص ساعات طويلة من التغطيات الإعلامية للمظاهرات الاحتجاجية في مسعى واضح لإحراج حكومة الكاظمي.

ويؤكد ناشط في «ساحة التحرير» ببغداد على أن «الساحة اليوم تعج بصنوف الجماعات الموالية للجماعات والفصائل المسلحة». ويضيف الناشط، الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «الاحتكاكات الأخيرة في (ساحة التحرير) تسببت بها جماعات موالية للفصائل المسلحة تسعى لاستفزاز القوات الأمنية وتدفعها إلى ردود فعل عنيفة تؤدي إلى وقوع ضحايا بين المتظاهرين، وهذا ما حدث بالضبط، والهدف من ذلك هو القول: إن حكومة الكاظمي لا تختلف عن حكومة سلفه عادل عبد المهدي بالنسبة لقمع المحتجين». ويضيف أن «كثيراً من شباب (انتفاضة تشرين) أعلنوا انسحابهم من (ساحة التحرير) مؤخراً بعد اختلاط الأمور في الساحة ودخول جماعات مؤيدة للفصائل المسلحة».

على أن التشكيك الذي يحيط بمواقف بعض الجماعات الموجودة في «ساحة التحرير» وعلاقتها ببعض الفصائل المسلحة، لا يقلل من حجم الغضب الشعبي المتنامي نتيجة تراجع الخدمات، ولا يقلل أيضاً من الضغوط الهائلة التي تتعرض لها حكومة الكاظمي في أكثر من اتجاه، مما يدفع بمستشاري الكاظمي إلى تأكيد جديتهم في ملاحقة قتلة المتظاهرين. وفي هذا الاتجاه، أكد هشام داود، مستشار رئيس الوزراء، أمس، أن «اللجنة المكلفة التحقيق ستعلن للشعب ما حصل في (التحرير)، من كان خلف ذلك، وهل حصل فلتان وهناك من أعطى أوامر بإطلاق النار؟». وأشار إلى أن «التظاهرات منذ بعض الوقت تغيرت طبيعتها، هناك كثير من الجماعات تحاول أن تغيرها وتستثمرها بشكل مختلف، وقد حذر الكاظمي من اللعب بالنار».