التاريخ: تشرين الثاني ٢١, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
قتلى بينهم مقاتلون أجانب بغارات إسرائيلية «واسعة» على مواقع إيرانية وسورية
موسكو تنتقد الضربات وتشكك بـ«فاعلية» التنسيق مع تل أبيب
تل أبيب: نظير مجلي دمشق - لندن: «الشرق الأوسط»
قتل 23 شخصا بينهم 16 مقاتلا غير سوري في ضربات ليلية إسرائيلية استهدفت مواقع للنظام السوري والقوات الإيرانية في دمشق وريفها، وفق حصيلة جديدة أدلى بها المرصد السوري لحقوق الإنسان، الأربعاء.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن 21 مقاتلا بينهم 16 «غير سوريين» قتلوا، فيما قضى مدنيان متأثرين بجروحهما. وكان أشار في حصيلة سابقة إلى مقتل 11 مقاتلا بينهم سبعة غير سوريين.

وأكد الجيش الإسرائيلي أنه شن ضربات جوية «على نطاق واسع» على مواقع عسكرية في دمشق الأربعاء «ردا» على إطلاق صواريخ من سوريا في اتجاه إسرائيل قبل يوم، حسب المرصد السوري.

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن الثلاثاء أن دفاعاته الجوية اعترضت أربعة صواريخ أطلقت من سوريا المجاورة، بينما أفاد المرصد السوري، بأن الجانب الإسرائيلي رد بشن غارات على أهداف قرب دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في تغريدة على حسابه في «تويتر» صباح الأربعاء أنه شن ضربة «على نطاق واسع» استهدفت مواقع للنظام السوري و«فيلق القدس» الإيراني.

وقال الجيش في تغريدته إن مقاتلات الجيش الإسرائيلي قصفت «نحو عشرة أهداف عسكرية» بما في ذلك مقار قيادة عسكرية ومستودعات، وقامت «بتدمير» بطاريات للدفاع الجوي.

وصرح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن الهجوم كان «سريعا وكثيفا جدا». وأضاف أن «الهدف الرئيسي كان المنشأة الزجاجية» الواقعة في «المحيط العسكري لمطار دمشق الدولي». وتابع أن هذه المنشأة هي «المبنى الرئيسي الذي يستخدمه الحرس الثوري (...) لتنسيق نقل المعدات العسكرية من إيران إلى سوريا وأبعد من ذلك».

من جهته، قال المرصد السوري، إن الضربات الإسرائيلية أدت إلى «تدمير بطاريات للدفاع الجوي السوري في مطار المزة العسكري (...) ومستودعات للأسلحة والذخائر تابعة لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في محيط الكسوة ومستودع آخر لا نعرف لمن هو قرب ضاحية قدسيا ومحيط صحنايا» بجنوب وجنوب غربي دمشق.

وأضاف أن «شابة أصيبت بشظايا جراء القصف الإسرائيلي على ضاحية قدسيا كما جرى انتشال عائلة مكونة من رجل وزوجته وابنه من تحت أنقاض منزل في قرية بيت سابر بناحية سعسع بعد استهداف أحد الصواريخ الإسرائيلية للمنزل».

وبينما تحدث مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية، في دمشق ليل الثلاثاء - الأربعاء عن دوي انفجارات ضخمة في العاصمة، نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مصدر عسكري قوله إن الطيران الحربي الإسرائيلي قام «باستهداف محيط مدينة دمشق بعدد من الصواريخ». وأضاف أن «منظومات دفاعنا الجوي تصدت على الفور للهجوم الكثيف وتمكنت من اعتراض الصواريخ المعادية وتدمير معظمها قبل الوصول إلى أهدافها».

في الوقت نفسه تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية عن «طائرات حربية معادية» قامت «بغارات وهمية على ارتفاع منخفض» فوق صور في جنوب لبنان.

وأكد الجيش الإسرائيلي أن تل أبيب «تحمل النظام السوري مسؤولية الأعمال التي تقع على الأراضي السورية». وأضاف: «نحن مستعدون لمختلف السيناريوهات».

وأعلن وزير الأمن الإسرائيلي، نفتالي بنيت، أن «إيران حاولت تغيير قواعد اللعب معنا وأفهمناها أننا نرفض ذلك»، وهدد ما سماه «رؤساء الأخطبوط الإيراني» بشكل شخصي وصريح: «لم تعد لكم حصانة». وقد اعترفت إسرائيل، بشكل صريح، بأنها قصفت في سوريا. وقال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو: «أوضحت أننا سنضرب كل من يعتدي علينا. هذا ما قمنا به هذه الليلة ضد أهداف عسكرية تابعة لفيلق القدس الإيراني وللجيش السوري في سوريا وذلك بعد أن تم أمس إطلاق صواريخ من الأراضي السورية باتجاه إسرائيل. سنواصل الحفاظ بكل حزم وإصرار على أمن إسرائيل».

وكان مسؤول أمني إسرائيلي رفيع، قد أعلن عن الغارات الإسرائيلية، في وقت سابق من فجر الأربعاء، وقال إنها «استهدفت 20 موقعا، بينها مواقع إيرانية وأخرى تابعة للنظام في سوريا، الليلة الماضية»، وأشار إلى أن «هذه الغارات تشكل تغييرا في القواعد». وأضاف: «المسألة هي عمليا، أننا نغيّر القواعد. فحتى لو كان إطلاق الصواريخ هامشيا، وتأثيره صغيرا، فإننا نغير المعادلة والهجوم (الإسرائيلي) سيكون واسعا. وحقيقة أن إيران أطلقت صباح أمس صواريخ باتجاه إسرائيل، هو هوس لا يقبله العقل. والهدف هو وضع معادلة جديدة بألا يطلق أعداؤنا النار على دولة إسرائيل».

وبعد مشاورات قصيرة بين نتنياهو وبنيت ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، ورؤساء أجهزة المخابرات، تقرر الحديث بصراحة عن أن إسرائيل هي التي قصفت. ثم أصدر الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، بيانا، حمل فيه النظام السوري مسؤولية القصف. وأعلن شن غارات ضد عشرات الأهداف العسكرية التابعة لفيلق القدس الإيراني وجيش النظام في سوريا، من بينها صواريخ أرض - جو ومقرات قيادة، وذلك رداً على إطلاق قذائف من الأراضي السورية الثلاثاء. وقال مصدر عسكري للموقع الإخباري الإلكتروني «واللا» إن الهجوم شمل مبنى الدفاع الوطني، بالإضافة إلى هدفين أو ثلاثة أهداف تكتيكية سورية على جبهة مرتفعات الجولان. وأضاف المصدر أن «الهدف الثانوي كان توجيه ضربة كبيرة بست بطاريات صواريخ جو - أرض، وذلك بهدف السماح بحرية الحركة والحفاظ على طيارينا».

وقال الناطق بلسان الجيش إن غاراته استهدفت فيلق القدس وميليشياته، ومقرات إيرانية ومعسكرات لوجيستية في منطقة دمشق، ومقر قيادة وسيطرة كبيرة في مطار دمشق. ولفت إلى أن الغارات تركزت في منطقة دمشق، وهي المنطقة التي أطلقت منها القوة الإيرانية الصواريخ على مرتفعات الجولان السوري المحتل، الثلاثاء. وقال نتنياهو في بيان، فجر اليوم الأربعاء، إنه «أوضحت (سابقاً) أن من يمس بنا سوف نمس به. هذا ما فعلناه الليلة ضد أهداف عسكرية تابعة لـ(فيلق القدس) الإيراني وأهداف عسكرية سورية، في سوريا، بعد أن جرى أمس إطلاق قذائف من أراضيها تجاه إسرائيل. سنواصل الحفاظ على أمن إسرائيل بصرامة». أما الوزير بنيت، فقال، في أول تصريح بعد قرار الاعتراف بالمسؤولية الإسرائيلية: «لقد تغيرت القواعد. فإيران قررت أن تدخل معنا في مواجهة مباشرة، ولن نسمح لها بالاختباء وراء أذرعها. من يطلق علينا النار في النهار فعليه ألا ينام الليل».

ووجه بنيت تهديدا مباشرا لرؤساء فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني بالقول: «رسالتنا إلى القادة الإيرانيين بسيطة: لم تعودوا محصنين أكثر. في أي مكان تمتد أذرع الأخطبوط الإيراني فسنقطعها».

ومنح رئيس المعارضة الإسرائيلية، بيني غانتس، رئيس حزب «كحول لفان»، دعما لهذه العملية قائلا: «الجيش الإسرائيلي جبى الليلة ثمن الاعتداءات الإيرانية علينا وكان من الضروري أن نحافظ على قوة ردعنا، كما نفعل في كل الجبهات. وحتى في الظروف السياسية العصيبة، نجد أنفسنا مؤيدين لكل خطوة تقدم عليها الحكومة في سبيل حماية أمن إسرائيل».

وتطرق الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إلى بيان الخارجية الروسية، التي اعتبرت الغارات الإسرائيلية «تصرفا خاطئا»، وقال إنه، «أيضا في هذه الغارات، تم الحفاظ على التنسيق مع روسيا الليلة كما كان في الماضي».

موسكو تنتقد الضربات وتشكك بـ«فاعلية» التنسيق مع تل أبيب
موسكو: رائد جبر
وجهت موسكو أمس، انتقادات لإسرائيل بسبب الضربات الجوية التي استهدفت ليلة الأربعاء مواقع تشغلها قوات إيرانية وأخرى تابعة للجيش السوري. ورغم أن الاستياء الروسي لم يصل إلى درجة توجيه إدانة كاملة، واقتصر على إشارة إلى «انتهاك مبادئ القانون الدولي»، لكن أوساطا روسية تحدثت عن بروز شكوك جدية بمدى فاعلية التفاهمات على التنسيق الأمني والعسكري بين موسكو وتل أبيب في سوريا.

ونقلت وكالة «نوفوستي» الحكومية الروسية عن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أن التحركات الإسرائيلية تشكل انتهاكا لمبادئ القانون الدولي، محذرا من تداعياتها المحتملة، وقال إنها «يمكن أن تسفر عن مزيد من توتر الوضع وهو أمر لا يرغب فيه أي طرف». وأكد أن موسكو «على تواصل مع كل الشركاء، لتوضيح ملابسات التطور».

وكان لافتا أن وزارة الدفاع الروسية وهي الطرف المسؤول عن قناة التنسيق العسكري والأمني مع إسرائيل، لم تعلق على التطورات، كما لم تصدر الخارجية الروسية بيانا رسميا يوضح موقفها حيال الضربة الإسرائيلية.

لكن انتقادات بوغدانوف عكست أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تكن منسقة مع الجانب الروسي وفقا لاتفاقات سابقة نصت على ضرورة إبلاغ الروس بأي تحركات للطيران الإسرائيلي «قبل وقت كاف» لتجنب وقوع احتكاكات غير مقصودة في الأجواء السورية، وكذلك لتجنب وقوع ضحايا من الروس في المواقع التي يمكن أن تستهدفها إسرائيل.

وبدا أن هذه النقطة ستكون محور النقاشات الأساسية مع الجانب الإسرائيلي في إطار «توضيح الموقف» المطلوب من جانب موسكو. وهذا يفسر عدم تطرق الوزير سيرغي لافروف الذي عقد أمس مؤتمرا صحافيا تناول فيه التسوية السياسية في سوريا وملف ضمان مصالح الأكراد في التسوية، متجاهلا الإشارة إلى الحدث المتعلق بالغارات الإسرائيلية. وأشار معلقون روس إلى أن سبب الاستياء الروسي قد يكون مرتبطا بالدرجة الأولى بأن الطيران الإسرائيلي استهدف مواقع تابعة للجيش السوري، لأن موسكو كانت غضت الطرف عشرات المرات في السابق عن استهداف مواقع إيرانية ولم تكن تصدر أي تعليق على الموضوع، في حين أنها حذرت أكثر من مرة من استهداف مواقع البنية التحتية العسكرية أو مراكز القيادة والتوجيه التابعة للدولة السورية. ولفتت أوساط روسية إلى أن الضربة الإسرائيلية تضع شكوكا حول جدية تل أبيب في الالتزام بما يتم التوصل إليه من تفاهمات مع الجانب الروسي، وقد تعرض التفاهمات السابقة لهزة كبيرة.

وكانت مصادر روسية أشارت إلى أن موسكو تريثت حتى الآن في تشغيل منظومات «إس 300» التي زودت بها الجيش السوري في وقت سابق. وأن هذا التريث كان جزءا من تفاهمات روسية إسرائيلية تقوم على تفهم القلق الإسرائيلي من التموضع الإيراني في سوريا، وأن روسيا لا ترغب في أن يسفر استخدام منظوماتها الصاروخية ضد أهداف إسرائيلية عن استفزاز لمواجهة مباشرة بين تل أبيب ودمشق، لكن موسكو في المقابل كانت حذرت الإسرائيليين أكثر من مرة بضرورة عدم استهداف المواقع الحكومية السورية.

في المقابل لفتت وسائل إعلام روسية إلى أن موسكو «قد تكون اطلعت على توجه إسرائيلي لشن ضربة قوية ضد مواقع تمركز القوات الإيرانية في سوريا، بسبب حصول تل أبيب على معطيات حول محاولات إيرانية لتعزيز التحرك من الأراضي السورية ضد أهداف إسرائيلية». وربطت مصادر إعلامية روسية ذلك بجولة محادثات حول الشأن السوري جرت قبل يومين، بين سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، ونظيره الإسرائيلي مئير بن شبات. ولم تستبعد أن تكون زيارة بن شبات برفقة مسؤولين أمنيين بارزين هدفت إلى إطلاع موسكو على نيات إسرائيل المبيتة، التي شكل قصف مواقع إسرائيلية بأربع قذائف قبل يومين سببا مباشرا لتنفيذها.

على صعيد آخر، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن انسحاب الجماعات الكردية المسلحة في شمال سوريا «انتهى عمليا» في إطار تنفيذ الجانب الروسي لمذكرة سوتشي الموقعة مع تركيا، لكنه أشار إلى أن «هناك بعض المناطق التي ما زال المقاتلون الأكراد يوجدون فيها، وهذا أمر يتم التعامل معه وفقا للتفاهمات المبرمة مع تركيا».

وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي بعد لقائه مع وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، أن موسكو تعمل لضمان حقوق كل الأطراف السورية في إطار جهود التسوية. وزاد: «لدينا حوار مع ممثلي الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية)، وقبل كل شيء، في إطار تنفيذ المذكرة الروسية - التركية، التي تتضمن سحب وحدات (قسد) لأسلحتها 30 كم من الحدود التركية - السورية».

وقال إن «هذا الاتفاق أقره الرئيس (السوري بشار) الأسد وقيادات (قسد)... وتم الانتهاء عمليا من انسحاب المسلحين، وربما هناك بعض المناطق التي يحتاج العمل فيها إلى الانتهاء».

وتطرق وزير الخارجية الروسي إلى الشق السياسي، لا فتا إلى الأهمية التي توليها موسكو لتعزيز الحوار بين الحكومة السورية والمكون الكردي. وانتقد «أطرافا في قيادة الأكراد ما زالت تراهن على واشنطن» وقال إن هذا «رهان خاطئ». وأضاف أن «الولايات المتحدة تحاول عرقلة الحوار بين الأكراد السوريين ودمشق، بينما نتخذ الموقف المعاكس تماماً ونحن مقتنعون بأن الحوار فقط بين الأكراد ودمشق يمكن أن يحل ليس مشكلة ضمان حقوق الأكراد فحسب، بل أيضا مشكلة ضمان المصالح الأمنية المشروعة للجمهورية التركية».