التاريخ: تموز ٢٤, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
لبنان: «تصلّب» أرسلان يُفشل الوساطات ويعرقل انعقاد مجلس الوزراء
صراع بين «التيار» و«القوات» على شغل المراكز الكبرى في القضاء
بيروت: نذير رضا
يهدد التجاذب السياسي المستمر على خلفية حادث الجبل قبل 4 أسابيع، الذي أودى بحياة مرافقَين لوزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، جلسة مجلس الوزراء والمرجح عدم انعقادها للأسبوع الرابع على التوالي، إثر فشل الوساطات في التوصل إلى تسوية للأزمة. ولم توزع الأمانة العامة لمجلس الوزراء أمس جدول أعمال جلسة الحكومة، ما يعني أنها لن تعقد هذا الأسبوع، فيما تستمر الاتصالات، وكان آخرها لقاء بين الرئيس ميشال عون ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم استكمالاً للبحث في مخارج من الأزمة. 

ولم تخفِ مصادر مواكبة للجهود المبذولة أن مسلك الحل لا يزال مقفلاً، في ظل التجاذب القائم حول إحالة الحادث إلى المجلس العدلي، وهو واحد من أعلى المحاكم في لبنان، وتعد أحكامه مبرمة، وتُحال إليه الملفات التي تهدد أمن الدولة. ويصرّ «الحزب الديمقراطي اللبناني» الذي يترأسه النائب طلال أرسلان وينتمي الوزير صالح الغريب إليه، على إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو ما يرفضه «الحزب التقدمي الاشتراكي» قبل إنجاز التحقيقات القضائية واتخاذ القرار بالإحالة من عدمها، بناء على التحقيقات، كما يطالب بتسليم المسؤولين عن مطلقي النار أيضاً والذين ينتمون إلى «الحزب الديمقراطي».

وفي ظل هذا التجاذب، ومناشدة الحريري حكمة الطرفين للتوصل إلى حلّ، لا يزال مجلس الوزراء معلقاً، وبسبب هذا التعليق، تتأخر التعيينات الإدارية، والقرارات اللازمة بعد إقرار الموازنة، فضلاً عن اتخاذ القرارات التي تساهم في انتظام عمل المؤسسات.

وينطلق الحريري من معطيين يدفعانه لتأخير انعقاد الحكومة. ويوضح عضو «كتلة المستقبل» النائب محمد الحجار لـ«الشرق الأوسط» أن الحريري «يريد في المقام الأول أن ينتظم عمل المؤسسات والحكومة وتتحيد عن الصراعات والسجالات ما دام أنها تُعنى بشؤون المواطن اليومية، خصوصاً بعد إقرار الموازنة ومواكبتها بقرارات تؤمن الانطلاق بالمشاريع الاستثمارية في البنى التحتية» بحسب مقررات مؤتمر «سيدر». أما في المقام الثاني، فلا يريد أن يكون اجتماع الحكومة قبل التوصل إلى حل «مناسبة لتفجرها»، وعليه يتحرك بين «هذين الحدين»، كما «يبذل محاولات ومساعي لحل المشكلة السياسية الناتجة عن أحداث الجبل». ويرى الحجار أن تأخير الحل «يؤدي إلى تشتيت عمل الحكومة، وينطوي على مخاطر كبيرة»، مشدداً على أن «المكاسب السياسية الناتجة عن تأخير التوصل إلى حل تبقى ضئيلة وأقل من تداعياتها التي تأخذ البلد إلى شفير الانهيار».

ويبدو أرسلان مصراً على مطلب إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو ما تنظر إليه مصادر سياسية مواكبة على أنه «يوصل الأمور إلى طريق مسدود»، بالنظر إلى أن أرسلان «لا يستجيب لأي محاولات لتدوير الزوايا من خلال التصلب في موقفه». وأظهرت تصريحاته الأخيرة هذا الإصرار، حين أشار في تغريدة له عبر «تويتر»، إلى أنه «لا يمكن أن يكون تحقيق القضاء مرجعاً للإحالة إلى المجلس العدلي، بل يقول القانون إن قرار الإحالة للمجلس العدلي هو قرار سياسي يستند فقط إلى تقييم مجلس الوزراء لخطورة الجريمة وما كان سينتج عنها من ضرب الاستقرار والتعايش والأمن الوطني».

وأوضح أرسلان أن «جريمة قبر شمون التي استهدفت وزيراً وموكبه ينطبق عليها توصيف المس بالأمن الوطني لو لم نضبط أنفسنا لمنع الحريق في الجبل ولبنان، وهي أكبر حجماً وتأثيراً من الجريمة الفردية التي حصلت مع الزيادين في المصيطبة والجريمة الفردية التي حصلت في بتدعي، (وكلا) الجريمتين أحيلتا فوراً إلى المجلس العدلي بقرار من مجلس الوزراء ولم يشترط المجلس يومها تقييماً من القضاء العسكري أو المدني». وسأل: «لماذا هذا التحايل اليوم؟ إلا إذا أردتم أن تدفعوا بالدروز إلى لعبة الثأر وإغراق الجبل في فتنة دموية لا يعرف أحد نتائجها». وعليه، أكد أرسلان الثقة الكاملة بالرئيس ميشال عون ودعا «الجميع إلى التعقل ووضع الأمور في نطاقها الصحيح والمتعارف عليه في مجلس الوزراء»، مؤكداً أن «أي مناورة خارج إطار هذا الحل ستكون لها نتائج وخيمة داخل مجلس الوزراء وخارجه».

وفي المقابل، يتحدث مصدر نيابي في «اللقاء الديمقراطي» لـ«الشرق الأوسط» عن أن «الحزب التقدمي الاشتراكي»، «تعاطى بمنتهى الإيجابية وسلم المطلوبين، في حين ما زال المسؤول عمن بادر بإطلاق النار وروّع الناس يرفض تسليمهم، مستمراً في معزوفة الكمين ومحاولة الاغتيال»، وقال أن «هذه الحقائق حول التعاطي بالإيجابية وتعنت الآخرين، يدركها مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي يتولى ملف الاتصالات، ومن الطبيعي أن يدركها رئيسا المجلس النيابي والحكومة نبيه بري وسعد الحريري»، آسفاً «أن ثمة من يدير اللعبة ويزوّر الحقائق»، في اتهام لخصمه السياسي النائب أرسلان.

وإثر تنامي السجالات وتعمق الانقسام الدرزي بين «الاشتراكي» و«الديمقراطي»، يجمع أرسلان مواقف إضافية مؤيدة له داخل الطائفة الدرزية، إذ استقبل الوزير الأسبق وئام وهاب، وأفاد بيان مشترك بأنه تم خلال اللقاء «التأكيد على عدم التهاون في جريمة قبر شمون، وضرورة إحالتها إلى المجلس العدلي، من دون إبطاء أو تسويف، وإلا فإن كل تسويف لهذه المسألة يعني تشجيع تكرار مثل هذه الجرائم». كما تم التشديد على «ضرورة حفظ أمن الجبل، باعتبار أن المدخل لحفظ أمن الجبل يكون بمعاقبة المجرمين».

صراع بين «التيار» و«القوات» على شغل المراكز الكبرى في القضاء
المواقع السنية محسومة للحريري و«المستقبل»

بيروت: يوسف دياب
تنتظر الحكومة اللبنانية تحريرها من قيود التعطيل، لاستئناف جلساتها وتسيير عجلة الدولة، وحلّ قضايا الناس العالقة منذ أسابيع على حبل الخلافات السياسية، ومن بين هذه القضايا التعيينات الإدارية والقضائية، رغم التوقعات بأن تكون محور صراع على الحصص بين مكونات الحكومة.

وستشكّل التعيينات القضائية الاختبار الأهم لنجاح الحكومة في تخطّي الخلافات، أو بقاء الانقسام الحاد على توزيع المناصب، وبدل أن تكون التعيينات القضائية مدخلاً لسدّ النقص في المواقع القضائية الحساسة، ومعالجة الخلل ومحاربة الفساد، تأتي المحاصصة لتحمي الفساد المتحكم بالمؤسسات. ورجّحت مصادر معنية بهذا الملف أن «تدرج الحكومة بند التعيينات في أقرب جلسة لمجلس الوزراء من أجل انتظام العمل في المؤسسات والإدارات، خصوصاً في القضاء». وشددت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية «ملء الشغور القائم منذ أشهر في عدد من المناصب الحساسة، لا سيما مراكز النائب العام التمييزي، ورئيس مجلس شورى الدولة، ورئيس هيئة التشريع والاستشارات، والمدير العام لوزارة العدل»، متوقعة «عبورها بمخاضٍ عسير، وتؤسس لمعركة داخل مجلس الوزراء، خصوصاً على المواقع المسيحية، بين (التيار الوطني الحرّ) الذي يتهمه خصومه بأنه عازم على أن تكون المواقع المسيحية من حصّته وحده، وبين (القوات اللبنانية) التي تسعى لنيل حصتها»، مشيرة إلى أن «المراكز السنيّة الشاغرة شبه محسومة، وهي ستكون من حصّة رئيس الحكومة سعد الحريري وتيار (المستقبل) دون منازع».

وتسعى المرجعيات السياسية والأحزاب الكبرى إلى الإمساك بالمراكز القضائية البارزة، باعتبارها جزءاً من أدوات الحكم، تماماً كما هي حال المراكز الأمنية، سواء على مستوى رؤساء الأجهزة أو الوحدات أو الأقسام والمفارز في بيروت وكل المحافظات، وتتجه الأنظار لمعرفة من سيشغل منصب النائب العام التمييزي، وهو الأهم بين كل هذه المراكز، لكون النيابات العامة كافة والضابطة العدلية تخضع لسلطته المباشرة، عدا عن كونه عضواً دائماً في مجلس القضاء الأعلى، ونائباً لرئيس مجلس القضاء، وبحكم تواصله الدائم مع السلطة السياسية ولقاءاته الدورية مع رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء، ويعود هذا المنصب للطائفة السنيّة، وللحريري وتياره السياسي.

وثمة أسماء عدّة مرشحة لتولي منصب النائب العام التمييزي، أبرزها قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات، والنائب العام الاستئنافي في شمال لبنان نبيل وهبة، ورئيس محكمة جنايات بيروت سامي صدقي، وتوكد مصادر قضائية لـ«الشرق الأوسط»، أن «عويدات هو الأوفر حظاً ليشغل هذا المنصب»، مشيرة إلى أن مركز مدير عام وزارة العدل هو من حصّة الطائفة السنيّة، وسيكون من حصّة تيار «المستقبل» أيضاً، وقد يسند إلى القاضية نجاح عيتاني، التي تتميّز بشخصية قوية، وعلاقات جيدة مع زملائها القضاة.

لكنّ التسليم بهوية وانتماء من سيشغل المراكز السنيّة يقابله تشدد في اختيار القضاة المرشحين للمراكز المسيحية، إذ توقعت المصادر القضائية «توافقاً مسيحياً على اسم القاضية كارمن بدوي لتعيينها رئيسة لمجلس شورى الدولة، ومن حصّة (التيار الوطني الحرّ)، فيما يخوض الأخير معركة الاستئثار بمنصب رئيس هيئة التشريع والاستشارات، مقابل ممانعة شديدة من قبل (القوات)، وهو ما ينذر بتفجّر خلاف داخل مجلس الوزراء، قد يهدد سلّة التعيينات برمتها».

ولا يبدو أن التعيينات القضائية، كما الأمنية والإدارية، ستخضع لمعايير الكفاءة والنزاهة والخبرة، حيث إن القيادات السياسية أرست معايير جديدة قاعدتها إنجاز اتفاقاتها خارج الحكومة، ثم التصديق عليها في مجلس الوزراء، وأشار مرجع قانوني إلى أن «الاستمرار في هذا النهج يضرب أسس العدالة وتكافؤ الفرص واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التدخل السياسي في عمل القضاء، واختيار الأتباع لتعيينهم في المراكز القضائية الحساسة يضرب استقلالية القضاء، ويبقي السلطة الثالثة تحت هيمنة الطبقة السياسية». وقال: «عندما تعيّن المرجعية السياسية قاضياً في موقع حساس، فإنها ستجيّر هذا المركز لخدمتها، ويصبح القاضي موظفاً عند المرجعية التي عينته، بدل أن يكون قاضياً مستقلاً يحكم بقوّة القانون وباسم الشعب اللبناني».

وبعيداً عن الاعتبارات السياسية، باتت التعيينات القضائية ضرورية، بسبب التعثّر في بت قضايا الناس، نتيجة شغور المراكز المشار إليها، والصعوبة التي يواجهها القضاة المنتدبون بسبب توليهم أكثر من مركز في وقت واحد، فيما تبدو طوائف أخرى خارج حلبة صراع التعيينات، لعدم وجود مراكز شاغرة يشغلها قضاة من الطائفتين الشيعية والدرزية، ويتوقّع أن تشهد التشكيلات القضائية المرتقبة أواخر الصيف الحالي، تغييراً كبيراً سيطال قضاة لم يكن أداؤهم في السنوات الأخيرة على مستوى طموح من عينهم في هذه المراكز.