التاريخ: تشرين الأول ١٨, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
«فلول لكن شرفاء» في مقابل «نور لكن وطنيون» في انتخابات الإسكندرية
الإسكندرية - أمينة خيري 
فترة الصمت الانتخابي لم تؤثر فيها كثيراً. فلا الصمت سيغيّر القناعات، ولا الانتخابات ستقلب الأوضاع. لكن اختلاف التوجهات وتباين الآراء واحتقان البعض وتحفّز البعض الآخر واضح وضوح الشمس. شمس الإسكندرية الخريفية ليست كأي شمس. فالدفء النهاري المصاحب للرياح المنذرة بشتاء بارد تداعب ما تبقى من لافتات أثبتت إنها عصية على إجراءات الصمت الانتخابي. وجوه «فلولية» معروفة وأخرى حزبية مألوفة وثالثة إسلامية مأهولة تعد بمستقبل وردي وعصر ذهبي «من أجل مصر التي نحلم بها».

وعلى رغم أن مصر التي يحلم بها هؤلاء تختلف كل الاختلاف عن مصر التي يحلم بها أولئك، إلا أنه في ظل غياب البرامج الانتخابية وضبابية العهود الحزبية وغمامة الفوضى الفكرية، يطلق كل ناخب العنان لمصر التي يحلم بها محاولاً إدماجها إما في رمز «النخلة» الذي يميل له، أو «الفانوس» الذي يتمناه، أو «المدفع» الذي يثير شجنه.

أشجان سائق الأجرة السكندري تبدو واضحة في دفاعه المرير عن «العصر الذي كان». يقول إنه «على باب الله»، نافياً عن نفسه وصمة «الفلولية»، لكنه يتساءل مثبتاً المخاوف «الثورية»: «لو فلول لكن شرفاء، ما المانع؟!». فلول لكن شرفاء تسيطر على أحاديث كثيرين من أهل الإسكندرية. «على الأقل كنا نأكل ونشرب ونلبس ونعمل طيلة الليل دون مخاوف من قنبلة في محطة مصر أو تظاهرة من مسجد القائد إبراهيم. كل واحد كان يعرف حدوده والكل كان يسترزق».

لكن الرزق الذي يشير إليه هذا السائق من باب «فلول لكن شرفاء» يرفضه زميل له تبدو صيغة الغضب واضحة في صوته، وانتماءاته بيّنة في كلماته. «سمة المخربين الخلاف والفرقة. وحين قيل لنا إن الإخوان ومن معهم سيخربون البلد توقعنا أن يكون القادم خيراً ورخاءً ورفاهاً، فإذ بمرشحي الأحزاب والكيانات اليسارية وتلك التابعة لمصالح رجال الأعمال تغرق في ما بينها في خلافات لأنها لا تعترف سوى بمصالح الدنيا على حساب الآخرة».

لكن المصالح الدنيوية حيث السياسة والاقتصاد والمال والأعمال والسلطة والبرلمان تتشابك ومصالح الآخرة ولا تتعارض معها بالضرورة. «وضوح وطموح» حزب «النور» في الإسكندرية يعبّران عن تشابك الدنيا والآخرة ومصالح كليهما بشكل لا ينقصه الوضوح ويسيطر عليه الطموح. الإسكندرية -المعروفة سياسياً بـ «معقل السلفية»- لها طابع خاص في خلطة الدين بالسياسة. فعلى رغم ما يشاع ويقال على الملأ وفي الإعلام عن خروج حزب «النور» من قافلة الإسلام السياسي بعدما تضامن مع القوى المناوئة لحكم «الإخوان»، إلا أنه يظل الحزب «الديني» الوحيد الذي ما زال قائماً بصفة رسمية. نشاط الحزب الانتخابي المحموم في مدينة الإسكندرية طوال فترة الدعاية دقّ على أوتار عدة: فمن وتر الوطنية إلى وتر «معقل السلفية» إلى وتر «أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب» (حيث الأمل في توحّد التيارات الإسلامية مهما كان بينها من خلافات في مواجهة المدنية) إلى وتر الادعاء بأن «النور» حزب سياسي يحوي أقباطاً (ولو كانوا على سبيل «الديكور») ونساء ولو كنّ وردات، إلى وتر الحزب القادر على إنقاذ الإسلام من هجمة «بني ليبرال» يدق حزب «النور» على ما تيسّر من أوتار.

ويظل وتر «ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب» هو الأكثر إثارة في أحاديث الإسكندرية الجانبية، فالاحتكاكات الخفيفة التي جرت بين قواعد حزب «النور» أثناء الدعاية لمرشحيهم وبين قواعد إخوانية غير مرة، صنّفها البعض من أبناء المدينة تحت بند «ضرب الحبيب»، في إشارة ماكرة إلى تواؤمات وربما مصالحات قد لا تكون ظاهرة بالعين المجردة.

لكن العين المجرّدة في الإسكندرية ترصد أموالاً كثيرة أنفقت على الدعاية الانتخابية، وهي التي ظهرت جلية عبر أغنيات تلفزيونية كلّفت ملايين، ولافتات بالآلاف حملت وجوه المرشحين بعضهم محسوب على الفلول والبعض الآخر مولود من رحم أحزاب يرعاها رجال أعمال. العين نفسها ترصد استعدادات أمنية وصحيّة وتنظيمية صارمة. فنادق بأكملها أصبحت كاملة العدد بوصول آلاف القضاة. سيارات الإسعاف والمستشفيات على أهبة الاستعداد. الحافلات العسكرية تجوب الشوارع ليلاً نهاراً. بقايا اللافتات المهشمة -سواء بفعل منافس أو بفعل رياح- يجري رفعها من الطريق. حتى التفجيرات المتفرقة التي شهدتها المدينة يوم الثلثاء الماضي تناولها أهل الإسكندرية باعتبارها «تحابيش» متوقعة.

وعلى طريق الكورينش تجوب مجموعة من الرجال الطريق ذهاباً وإياباً مرتدين لافتات ضخمة كُتب عليها بخط اليد «إنزل يا مصري الانتخابات. الدنيا أمان» و «برلمان 2015 صوتك أمانة». ولولا لافتة حملها أحدهم ومكتوب عليها «لا تأكلوا أسودكم حتى لا تأكلكم كلاب أعدائكم» لمرّت المجموعة مرور الكرام. الجميع ظل يضرب أخماساً بأسداس حول هوية الأسود والمقصود بالكلاب، لكن كل طرف فسّرها بحسب توجهاته.

يُشار إلى أن الانتخابات البرلمانية تبدأ اليوم الأحد وتستمر غداً الإثنين في مدينة الإسكندرية ضمن المرحلة الأولى. ويبلغ عدد من يحق لهم الانتخاب ثلاثة ملايين و291 ألفاً و734 ناخباً، أي نحو 5.5 في المئة من الكتلة التصويتية المصرية.

وتجري الانتخابات في عشر لجان عامة موزعة على 1676 لجنة فرعية داخل 692 مقراً انتخابياً موزعة على 10 دوائر انتخابية. ويتنافس فيها 390 مرشحاً للفوز بـ 25 مقعداً فردياً في الدائرة وأربع قوائم للفوز بسبعة مقاعد.