التاريخ: آذار ٢٤, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مخطط أم فشل؟ زيارة إلى تونس - إدوارد مورتيمر
ننشر في ما يلي هذا التقرير الهام عن الوضع في تونس بالتنسيق مع كاتبه إدوار مورتيمر. الكاتب كان عضوا في وفد بحثي من جامعة أوكسفورد زار تونس مؤخراً وتجوّل في مناطقها وقابل قياداتها وممثلي قطاعات من المجتمع.

لا نشاهد الكثير عن تونس في الإعلام البريطاني في هذه الأيام. الاستثناء الوحيد الذي لاحظته حتى تاريخه هذا العام كان تقريراً مقتضباً بثّته شبكة "بي بي سي" في الثامن من شباط، عندما حُكِم على سبعة رجال بالسجن المؤبّد لضلوعهم في الهجوم الإرهابي على فندق على شاطئ سوسة عام 2015، والذي أسفر عن مقتل 30 مواطناً بريطانياً كانوا يمضون عطلتهم هناك. لقد أتاح ذلك التقرير لشبكة "بي بي سي" تذكيرنا بأن وزارة الخارجية البريطانية توقّفت، منذ صيف 2017، عن التحذير من السفر بالمطلق إلى تونس، مع أنها تستمر في إصدار التحذير الآتي: "لا يزال هناك احتمالٌ كبير جداً بأن يحاول إرهابيون شنّ هجمات في تونس، بما في ذلك ضد مصالح بريطانية وغربية. تُحافظ القوى الأمنية على حالة تأهّب مرتفعة في العاصمة تونس وأماكن أخرى. يجب توخّي الحذر في مختلف الأوقات، بما في ذلك حول الأماكن الدينية وفي المهرجانات".

ما خلا ذلك، لا يؤتى على ذكر تونس إلا للإشارة، من حينٍ لآخر، إلى أنها تُجسّد حكاية النجاح الوحيدة المتبقّية، أو أقلّه الناجية الوحيدة في "الربيع العربي". فهل نجرؤ على الاستنتاج أن غياب تونس عن الأنباء هو نبأٌ سار؟ كان اهتمامي بالإجابة عن ذلك السؤال قوياً بما فيه الكفاية لأبادر إلى انتهاز فرصة الدعوة التي وجّهها إلي صديقي آدم روبرتس، الاختصاصي المرموق في العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد ورئيس الأكاديمية البريطانية سابقاً، للانضمام إلى فريق من ستة أشخاص من جامعة أكسفورد توجّهوا إلى تونس في كانون الثاني الماضي لمناقشة الخلاصات التي وردت في كتاب بعنوان "المقاومة المدنية في الربيع العربي: الانتصارات والكوارث" (Civil Resistance in the Arab Spring: Triumphs and Disasters) (مطبعة جامعة أكسفورد، 2016)، والذي ساهمنا في وضعه وتُرجِم إلى اللغة العربية.

في حين أجرينا بعض النقاشات البالغة الأهمية حول هذا الموضوع مع أساتذة وطلاب في كليتَي الحقوق والعلوم السياسية في جامعتَين تونسيتين (تونس - قرطاجة وصفاقس)، كانت الزيارة ذات تنظيم جيد جداً تولاّه وليد حدوق (باحث تونسي مستقل، وناشط في المجتمع المدني، ومستشار سابق لدى الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الذي تسلّم سدّة الرئاسة من 2011 إلى 2014)، بحيث تحوّلت، فعلياً، جولة أفق موجَّهة في المشهد السياسي السائد راهناً في البلاد.

ومن الأشخاص الذين استقبلونا في تونس الناطق باسم الحكومة (والمستشار المقرّب لرئيس الوزراء)؛ ورئيسة "هيئة الحقيقة والكرامة" التي هي بمثابة النظير التونسي لـ"لجنة الحقيقة والعدالة" في جنوب أفريقيا؛ وعلي العريض (رئيس الوزراء 2013-2014)، وقياديون آخرون في الحزب الإسلامي الرئيسي "النهضة"، الذي غالباً ما يُقارَن بجماعة "الإخوان المسلمين" المصرية – مع العلم بأننا لم نتمكّن من لقاء المرشد الأعلى راشد الغنوشي الذي كان موجوداً في دافوس خلال ذلك الأسبوع (!)؛ وكاتب الدولة المكلّف بالبحث العلمي؛ والرئيس المرزوقي (الذي استقبلنا باتّضاع شديد، فسكب لنا الشاي بنفسه، في منزله في سوسة)؛ ورئيس لجنة الدفاع والأمن النيابية؛ وكمال مرجان الذي يتولى راهناً منصب وزير الوظيفة العمومية على الرغم من أنه كان وزيراً للدفاع والخارجية في عهد الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي.

إلى جانب تلك الاجتماعات الرسمية، عقدنا لقاءات ذات طابع أكثر اجتماعية مع أشخاص على غرار رئيس المجلس التأسيسي سابقاً، ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة (إشارة إلى أن الاتحاد كان جزءاً من رباعية الحوار التي فازت بجائزة نوبل للسلام لعام 2015 "لمساهمتها الحاسمة في بناء ديموقراطية تعدّدية في تونس في أعقاب ثورة الياسمين لعام 2011")؛ والرئيس السابق للهيئة العليا للانتخابات؛ ورئيس وكالة الأنباء الرسمية.

واستكشفنا أيضاً المشهد الجغرافي، وصولاً إلى أقصى الجنوب ومدينة دوز مع واحتها، حيث كانت الحرارة أعلى بقليل من درجة التجمّد، وحيث أكلتُ لحم جِمال لأول مرة في حياتي؛ ثم توجّهنا إلى بلدة جمنة المجاورة مع بساتينها المزروعة بأشجار النخيل، حيث استمعنا مباشرةً من المسؤول عن المزارعين طاهر طهري عن سيطرة المزارعين على أشجار النخيل خلال الثورة، والنضال الذي خاضوه لاحقاً للحفاظ على سيطرتهم عليها وتسويق البلح. وفي صفاقس، رأينا النصب الذي أُقيمَ تخليداً لذكرى تحرير العبيد في تونس على يدَي أحمد باشا باي عام 1846، لكننا زرنا أيضاً شارع الحبيب ثامر الذي سُمّي تيمناً بأحد قادة حركة الاستقلال في مطلع القرن العشرين، إنما غُيِّر اسمه إلى "شارع الشهيد صدام حسين"، التي كُتِبت بأحرف عربية عريضة بخط اليد – على الأرجح أن مَن أقدم على تغيير الاسم هم قوميون عرب يساريون منتمون إلى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يقع مقرّه المحلي في الجانب الآخر من الطريق.

لدى عودتنا إلى العاصمة تونس، وأثناء زيارتنا مقر مجلس النواب، حالفنا الحظ بلقاء نائب رئيس المجلس عبد الفتاح مورو – وهو أيضاً من كبار القياديين في "النهضة" والوحيد الذي كان يرتدي، بين الأشخاص الذين التقيناهم، عباءة علاّمةٍ مسلم بدلاً من ارتداء بذلة أو كنزة. وقد متّعنا بإلقاء درسٍ وجيز في التاريخ على مسامعنا، ليس بهدف التبجّح بتفوّق الإسلام بل لتقديم البرهان على أن قرطاجة كانت على الدوام متقدّمة على أثينا وروما في كل شيء، بدءاً من الديموقراطية وصولاً إلى سفينة المجاذيف مع عشرة صفوف من المجذّفين.

قد تقولون في أنفسكم، هذا ليس سيئاً بالنسبة إلى زيارة لستة أيام. ومع ذلك، لدى عودتي، قال لي صديقي فرانسيس غيليس، وهو من كبار الخبراء في شؤون شمال أفريقيا، بأسلوبٍ مدمّر إلى حد ما، إنني لم ألتقِ أياً من "الفاعلين الاقتصاديين" الأساسيين في البلاد. وهو أمرٌ صحيح بلا شك، إنما قد يكون مبرراً، نظراً إلى أن "خبرتنا" واهتماماتنا هي أكثر تركيزاً على الجانب السياسي.

على الرغم من ذلك، أصرّ جميع السياسيين والمحللين الذين التقيناهم، على أن الوضع الاقتصادي مقلقٌ جداً، لا بل كارثي. وأقرّوا بأنه حتى لو نجحت الثورة نسبياً في إدخال المؤسسات الديموقراطية وسيادة القانون إلى البلاد، إلا أنها فشلت، حتى تاريخه، فشلاً ذريعاً في تلبية المطلب الشعبي بالعدالة الاجتماعية، ما تسبّبَ بخيبة أملٍ واسعة، ونتيجةً لذلك تراجعت نسبة الاقتراع من دورةٍ انتخابية إلى أخرى – وغالب الظن أن هذا الاتجاه الهبوطي سوف يستمر في الانتخابات النيابية والرئاسية بسبب هذا الخريف الذي تمرّ به البلاد. وقد أجمع هؤلاء على أن اللوم في هذا الإخفاق يقع فقط على كاهل النخبة السياسية، أي على كاهلهم. فلماذا فشلت هذه النخبة في إعطاء الأولوية للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تشكّل حاجة ماسّة؟

لا شك في أن السبب يعود، في بعض الحالات، إلى الفساد، وقدرة عدد كبير من الأشخاص المرتبطين بالنظام القديم على التسلل إلى النظام الجديد وحماية مصالحهم. (حتى إن بعض المحللين يستخدمون مصطلح "مضاد للثورة" في إشارة إلى حزب "نداء تونس" العلماني الذي أسّسه الرئيس الحالي التسعيني، الباجي قائد السبسي). بالطبع، هناك أيضاً السجال اليساري-اليميني المعهود حول طبيعة الإجراءات المطلوبة. تُشدّد إحدى مدارس الفكر على أهمية إصلاحات السوق الحرة التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، أو حتى على الحاجة إلى ثورة اقتصادية شاملة على طريقة تاتشر (ومن هؤلاء الخبير الاقتصادي هاشمي علايا وفق ما يرد في كتابه الجديد "النموذج التونسي" (Le Modèle Tunisien)). بيد أن آخرين يُشيرون إلى أن عدداً كبيراً من البلدان النامية عانى بسبب فرض "إجماع واشنطن"، وإلى أنه حتى الغرب الرأسمالي يشهد الآن رد فعل قوياً، لدى اليسار واليمين على السواء، ضد الشعارات النيوليبرالية التي طغت في العقود الأربعة الأخيرة.

ثم هناك المنظومة السياسية والدستورية بحد ذاتها، التي جرى بناؤها بعناية شديدة منذ عام 2011، بالاستناد نوعاً ما إلى روحانية الآباء المؤسّسين الأميركيين في القرن الثامن عشر، والذين أرادوا أن يمنعوا، مهما كان الثمن، تركُّز السلطات في أيدي فردٍ واحد أو فريق واحد. ويُضاف إلى ذلك انتشار الأحزاب السياسية، لا سيما الصغيرة والضعيفة منها، خصوصاً في الجانب العلماني/الليبرالي من الطيف السياسي، فيتبيّن لماذا كان مستبعداً أن تُنتج المنظومة حكومة متجانسة قادرة على اتخاذ خيارات سياسية واضحة ثم وضعها موضع التنفيذ. يعتقد بعض القادة السياسيين (مثل مرجان) أنه لا يمكن إيجاد حل لهذه المسألة إلا عبر العودة إلى منظومة رئاسية، في حين يُعلّق آخرون آمالهم على التشكيل التدريجي لحزبٍ حاكم قوي وأكثرية برلمانية راسخة بقيادة رئيس الوزراء الحالي يوسف الشاهد.

لا شك في أن ذلك كله يُخفي وراءه انعداماً شديداً للثقة وانقساماً عميقاً بين نظرتَين مختلفتين – نظرة علمانية/ليبرالية وأخرى إسلامية/محافظة. هذا الانعدام المتبادَل للثقة هو السبب، أقلّه جزئياً، وراء المجموعة الواسعة من الإجراءات المتّخذة للحؤول دون العودة إلى الأساليب السلطوية. يراود العلمانيون خوفٌ شديد من إقدام "النهضة" على فرض الشريعة، فهم يعتبرون أنه من شأن ذلك أن يؤدّي إلى القضاء على حقوق المرأة، وفرض قيود شديدة على حرية التعبير، وربما أيضاً وضع قانون جزائي إسلامي تقليدي؛ ويخشى قادة "النهضة"، من جهتهم، اندلاع ثورة مضادّة عنيفة على الطريقة المصرية.

يتضافر هذان الخوفان بما يولّد أثراً حميداً بحد ذاته، يتمثّل في إعطاء الأولوية للحريات المدنية وسيادة القانون. لكن بما أن كل واحد من الفريقَين غير مقتنع بحسن النيّة لدى الآخر، فهما يُظهران أيضاً نزعةً نحو العمل ضد تشكيل حكومة قوية وموحّدة. يَحكم الطرفان البلاد معاً منذ ثماني سنوات، مع إجراء تعديلات مستمرة إلى حد ما في التوزيع الدقيق للسلطات والأدوار، لكنهما يفعلان ذلك في إطار ائتلافٍ غير مستقر، حيث ينظر كل منهما شذراً نظرة توتّرٍ إلى الآخر، بدلاً من أن يسود انسجامٌ حقيقي أو ثقة حقيقية بينهما. الوضع أشبه قليلاً بما شهدته فرنسا في السنوات التي أعقبت مباشرةً الحرب العالمية الثانية، عندما شعر الشيوعيون والاشتراكيون والديموقراطيون المسيحيون بأنهم مضطرّون إلى العمل معاً في الحكومة، لأنه لم يجرؤ أحدٌ منهم على ترك الحكومة تحت السيطرة الحصرية للأفرقاء الآخرين.

لا شك في أن أيديولوجيا "النهضة" تقع على طرف نقيض من الشيوعية. إنما لم يسعني، عند الاستماع إلى قيادييها، سوى أن أتذكّر الشيوعيين الإيطاليين الذين كنت أجري مقابلات معهم في زمن "الشيوعية الأوروبية" (سبعينات وثمانينات القرن العشرين). ففي تلك الحقبة أيضاً، بذل حزبٌ كان يُنظَر إليه على نطاق واسع بأنه يُشكّل تهديداً للديموقراطية، محاولات لطمأنة الآخرين إلى حسن نياته. في البداية، لم تنجح تطميناته في الإقناع، إذ بدا أنه سيجري التخلي عنها بسهولة عندما يصبح الحزب في السلطة. إنما تمكّن قادته تدريجاً من حمل الأشخاص على تصديقهم، عبر الإشارة، من جملة أمور أخرى، إلى أنهم يحتاجون هم أيضاً إلى ضمانات لحريتهم من الحكم الاستبدادي (Mi sento piú sicuro di quà – "أشعر بأنني أكثر أماناً في هذه الجهة" – هكذا كان رد إنريكو برلينغر لدى سؤاله إذا كان يُفضِّل الحماية التي يؤمّنها الستار الحديدي على تلك التي يؤمّنها الحلف الأطلسي). وبالطبع، كان النجاح حليفهم عندما ألقت الحرب الباردة أوزارها: فقد تمكّن الحزب الذي خلف الحزب الشيوعي الإيطالي من أن يحجز له مكانةً في موقع القوة في يسار الوسط داخل المنظومة الديموقراطية، وفاز جيورجيو نابوليتانو، أحد كبار مؤسّسي الشيوعية الأوروبية وحاملي لوائها، باحترام أبناء وطنه في شبه إجماعٍ حول شخصه، أولاً في منصب وزير الداخلية، ثم رئيساً للجمهورية.

هل ستسير "النهضة" على الدرب نفسه؟ القرار هو بأيدي التونسيين، لكنني أجد نفسي أكثر ميلاً إلى تصديق ذلك بعدما استمعتُ إلى بعض قياديي الحزب. فهم يَظهرون في صورة سياسيين حذرين وبراغماتيين وعصريين في تفكيرهم – بعيداً من الفكرة النمطية السائدة عن المتشددين الإسلاميين. لقد عاشوا تجربة طويلة في السجون و/أو التعذيب و/أو المنفى، ما دفعهم حكماً إلى إعادة النظر في أولوياتهم وتوضيحها. ولاحظتُ أيضاً أن علاقاتهم مع زملائهم العلمانيين هي في العموم متمدّنة، وحتى ودّية.

فلماذا نقع على شيء من الفتور في تعاطي السياسيين العلمانيين مع هيئة الحقيقة التي يزعم البعض أنها "رهن إشارةٍ" من "النهضة"؟ لقد عبّرت لنا رئيسة الهيئة سهام بن سدرين عن امتعاضها من خفض موازنتها قبل الأوان في أيار من العام الماضي، ومن أنها لم تتمكّن، حتى تاريخه، من تسليم تقريرها شخصياً إما إلى رئيس الوزراء وإما إلى رئيس مجلس النواب. (غير أن رئيس الجمهورية استقبلها، لكنه لم يسمح بتصوير اللقاء أو تغطيته في وسائل الإعلام). سألتُها، في نهاية المطاف، هل كان نظام الحبيب بورقيبة – قائد النضال من أجل الاستقلال في تونس، ورئيس البلاد من 1956 إلى 1987 – أفضل أم أسوأ من نظام بن علي الذي أطاح ببورقيبة وحلّ مكانه. بدت غير راغبة في إعطاء جوابٍ جازم، واكتفت بالقول بأنه على المستوى محض الكمّي، مما لا شك فيه أن حجم الإعدامات والتعذيب، إلخ. كان أكبر في عهد الأوّل مقارنةً بعهد الثاني. وأضافت أن هناك "أساطير وأساطير مضادّة". ففي نظر بعض الأشخاص، كان بورقيبة البطل وبن علي نقيض البطل، لكن في الواقع، كلاهما قاما بأمور جيدة وأخرى سيئة: "علينا الابتعاد عن هذه المقاربة الثنائية القطب".

لا شك في أن مَن يعتبرون أن "النهضة" (التي أصرّت على أن يُغطّي اختصاص الهيئة الجرائم التي تعود إلى عام 1955) تتحكّم بالهيئة بغية القضاء على أسطورة بورقيبة، المناضل الأكبر في تاريخ تونس، وبالتالي القضاء على إرثه، أي إرث العلمانية وحقوق المرأة والمقاربة البراغماتية للمسألة الفلسطينية، إلخ. – لا شك إذاً في أن هؤلاء سيعتبرون أن جواب بن سدرين يؤكّد نظريتهم.

هذا ممكن، لكنني لست واثقاً. غير أن ما لفت انتباهي، تقريباً لدى جميع الأشخاص الذين تكلمنا معهم، والذين ينتمون إلى مختلف فئات الطيف السياسي، كان الأهمية التي يولونها لاحترام الإجراءات القانونية، وولاءهم للتقليد الدستوري الذي يطبع السياسة التونسية منذ ما قبل بورقيبة بفترة بعيدة. حتى الطلاب الذين شرحتُ لهم أن أحد الأهداف التي يتوخّاها كتابنا هو إسقاط أسطورة "الاستثناء العربي"، والتي هي في رأينا من الأسباب التي جعلت الغرب ينظر إلى الربيع العربي بأنه أمرٌ مفاجئ جداً – حتى هؤلاء الطلاب أجابوا أن الاستثناء المهم بالنسبة إليهم هو "الاستثناء التونسي".

لا شك في أن تونس تُشكّل استثناء في المرحلة الراهنة، وسط مشهدٍ سياسي عربي قاتم جداً. أنا على يقين من أن عدداً كبيراً من القادة العرب ممتعض من هذا الاستثناء، ويعتبره بمثابة تأنيب ضمني، ويتمنّى انتهاءه. لكنني أحاذر من الاستنتاج مما تقدّم، أن مختلف الأمور التي تسير على نحو خاطئ في تونس، أو في العالم العربي، هي نتاج مؤامرة خارجية (مخطط، بحسب الكلمة المحبَّبة في العالم العربي). فعندما تقدّمَ أحد الطلاب الذين التقيناهم في صفاقس لطرح هذه النظرية، كان جوابي أننا نحن البريطانيين، على الرغم من انقسامنا راهناً حول أمور كثيرة (ولا سيما حول مسألة كبرى واحدة)، نتشارك عموماً النزعة إلى تفضيل نظريات "الفشل" على نظريات المؤامرة. وبما أن التونسيين شعبٌ لطيف جداً في الإجمال، فقد وجدتُ أنه من الأسهل أن نرى فيهم، أحياناً، ضحايا لأخطائهم لا ضحايا مؤامرات أو حسابات هي، بحسب القاعدة العامة، معقّدة جداً إلى درجة أنها لا تمتلك أي حظوظ حقيقية بالنجاح.

زميل مرموق في All Souls College في جامعة أكسفورد
ترجمة نسرين ناضر