التاريخ: آذار ١٦, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الحياة
الربيع السوري يدخل عامه التاسع! - عادل يازجي
خلال عامه الثامن، ضبضب الربيع السوري فوضاه ورحل عن السواد الأعظم من جغرافية الوطن، بعد أن لخبط مزاجها ديموغرافياً، وحطّ رِكابَه في أقصى الشمال المتأهب لمعركة أو اثنتين، واحدة في منبج وتمتد إلى شرق الفرات، والثانية في إمارة إدلب، وربما ثالثة في الشرق بمواقع عرض العضلات العسكرية الدولية!

التأهّب ضروري لدعم القدرة السابقة التأثير للقوة التي قد تحتاج إلى عزف قتالي منفرد محدود، كهجمة ترامب على مطار الشعيرات في نيسان (أبريل) 2017، ولتأكيد استعداد القوة نظرياً وعملياً احتمال كبير أن يغامر أردوغان بعزف قتالي منفرد على منبج والمكوّن الكردي شرقي الفرات، وأقلُّ احتمالاً منه عزفُ النظام السوري غير المنفرد على (إمارة) إدلب.

الآن، تُزج القدرة السياسية في المواجهات لضبط الوضع الميداني، وقد يُكتفى بها مرحلياً، والعمل جارٍ على استخدامها في إنعاش التوجه إلى فبركة حل سياسي على المنوال الآستاني المدعوم روسياً وإيرانياً، وإلى حدٍّ ما تركياً بشروط خاصة، وجولة لافروف الخليجية تدعم هذا التوجه، نظراً لمحورية موسكو ودول الخليج (حالياً) في تفكيك عُقد الاختلاف المركبة.

ثمانية أعوام من اقتتال ملتبس بمجرياته وأهدافه، ولعبة الأمم لم تستقر على خريطة للوطن لا جغرافياً ولا ديموغرافياً ولا سياسياً، فحدود سايكس بيكو تُحترم إعلامياً، وتُنتهك ميدانياً، والخريطة الديموغرافية تزداد تعقيداً في الوسط والشمال، لكن الأكثر تعقيداً هي الخريطة السياسية بخطوطها غير المستقيمة محلياً، والممتدة باعوجاجها عربياً وإقليمياً، وهذا التعقيد أفرزته الخريطة الأممية في مرحلة تفتت صيغ التحالف الدولي وسيطرة البراغماتية الابتزازية بالاقتصاد والسياسة بلا أيّ وازع أخلاقي. اقتتال الأطياف السورية فيما بينها جُرَّت إليه مرغمة، ما من طيف إلا وحاول النأي بنفسه وما استطاع، ولم يبخل الأشقاء والحلفاء والأصدقاء بالمال والسلاح على الأطياف المتقاتلة، أغدقوا بهما على المُدافِع والمُهاجِم، على المُعتدي والمُعتدَى عليه، على حاسي الرأس، والمعمم، والملثّم، وقبل الوصول إلى التهدئة (السياسية) يُطالَبُ الطن بِرَدِّ الجميل لأشقائه وجارتيه تركيا وإيران، وصديقاته الغيورات عليه واشنطن وموسكو ولندن وباريس، ولا تستثنى أفضال داعش والنصرة ميدانياً وسياسياً على كلّ الأطراف المحلّية والعربية والدولية فوق التراب السوري، فخدماتهما لا يُغَضُّ النظر عنها في مرحلة ردّ الجميل، الذي يثقل كاهل كل سوري موالياً كان أم معارضاً، وما من مانح كان مسامحاً كريماً، ولن يكون، وتأخُرُ إعادةِ الإعمار يدور في فلك سُلّمِ أولويات النظام بردّ الجميل، والمعارضات ترصد وتتململ وتترقب!

شآم الحلم الرومانسي القديم، حلم النهضة والتنوير واحترام الآخر مختلفاً كان أم مؤتلفاً، هذي الشآم رحلت، ويُشَك بعودتها في التفاوض أو المصالحات، وما من خط تفاوضي آستاني أو أممي يطمأنُّ إليه في احترام الآخر، كما تنصّ عليه القرارات الدولية، التي تطرحها منصة آستانة نظرياً، وتتجاهلها عملياً، والحلّ السياسي لن يهبط فجأة ببراشوت الثنائية القطبية، بل يجير إلى فلسفة خفض التصعيد التي ابتكرتها عبقرية موسكو بسياسة التفاوض الميداني، وليس التفاوض السياسي بأسلوبية مؤتمر جنيف الأممية!

يصعب التفاؤل بالوصول إلى حل تحترمه جميع الأطراف، ولو آلت إدلب إلى حضن النظام، وعادت دمشق وأنقرة إلى اتفاق أضنة بنصها القديم، أو بنصٍّ جديد معدل، يضمن عدم خسارة كل منهما أي ذرة من مكاسبه الميدانية تفاوضياً، هذا على افتراض أن تلك المعضلة مستقلة عن تأثيرات واشنطن وموسكو وطهران وتل أبيب، ومشكلة الأكراد المزمنة، فهذه فُرادى ومجتمعة مليئة بالأكمات المجهول ما وراءها، لذلك لم يبقَ أمام الحلف الثلاثي الضامن إلّا الدعوة للتفاوض ريثما تصفو الأجواء في حرب المصادرات، وسياسة كبح التمدد الإيراني بقيادة ماريشال الاقتصاد ترامب، الذي يعاني أصدقاؤه العرب من اختلال التوازن في سياسته عربياً وإقليمياً، وما من أفق مرئي لنجاح هكذا براغماتية لا يسيطر فيها على الفعل، ولا على رد الفعل، لذلك فملهاة التفاوض هي الأجدى لاستمرار الترقب، وإدخال شبح الحل السياسي، بالبدء من المربّع الأول، أي لجنة الدستور التي يحبذها الحلف الثلاثي مجتمعاً، وترفضها أركانه فرادى، وقد استقر الرأي الإقليمي والدولي على وضعها بعهدة المبعوث الأممي جير بيدرسون، وعندما يبدأ عملها سيكون لكل حادث حديث.

في قمة سوتشي، بتاريخ 14-2-2019، حدد الحلف الثلاثي موعداً بعد شهرين لجولة جديدة من محادثات آستانة (وليس جنيف) بين النظام وبعض معارضيه، أي بعد قراءة إجراءات ترامب المنتظرة فوق الأرض، وما قد تفصح عنه ميدانياً وسياسياً، وعلى ضوئها فآستانة كفيلة بخفض تصعيد جديد، في شمال الوطن بامتداداته الإقليمية والدولية.

سيناريوات المآل (ميدانياً) لا تتجاوز خفض التصعيد الذي لن يهمل تفاصيل الشمال في منبج وتوابعها، والمنطقة الآمنة المُقتطعة لأردوغان، وهوية إدلب المتنازع عليها بين دمشق وأنقرة، أمّا سيناريو المآل (سياسياً) فتمتد خرائطه إلى دول الإقليم كلها، العربية منها وغير العربية، والعُهدة بيد الثنائية القطبية، ولا أمل برؤية قريبة لدخان أبيض ينطلق من مدخنة البيت الأبيض، أو مدخنة الكرملين، ومدخنة آستانة قد يُعتمد دخانها على مضضٍ، ولو بالصمت والتجاهل.

بعد سنوات ثمانٍ من الاقتتال المرسومة خرائط نتائجه قبل أن يبدأ، يصعب أن تستقرّ المماحكات السياسية على احترام تلك الخرائط في طهران وأنقرة معاً، وإذا احترمها الطرفان فلن تُحترم عربياً، وربما دولياً، وقد تربك مناورات ترامب للتملّص من تعهداته الشرق أوسطية، وهذه يتصيدها ثعلب المرحلة لافروف، ويوظّفها لصالح الامتداد الروسي عربياً وإقليمياً، فالمصالح مركبة متداخلة. الترقب للمآل يميز بين «سورية تعود» و«سورية تنهض من كبوتها»، والعوْد الأحمد هو المطروح قيد التداول، على أن يحفظَ ماءَ الوجوه، ويخفف «إن لم يُنْهِ» الاحتقانَ في الشمال والشمال الشرقي، وفي كل الأحوال يصعب التفاؤل!