التاريخ: تشرين الثاني ٢, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
أعراض ما بعد الصدمات لدى الجماعة السنيّة في لبنان - كمال بكداش
تتلقى الجماعة السنيّة في لبنان، منذ اغتيال رفيق الحريري، الصدمة تلو الصدمة، وتستجيب لكل منها بأعراض تتراوح ما بين أقصى الاهتياج وأقصى الخَوَر، وتتبدّى في سلوكيات المنتمين إليها الجماعية والفردية، وفي أحاديثهم في مجالسهم الخاصة، وفي «تحليلات» الوسائل الإعلامية المتعاطفة معهم، وتتبدّى كذلك في دواخلهم، لا سيما في تمنياتهم وأحلام يقظتهم.

استبدّ بقطاع واسع من سنّة لبنان قبل اغتيال الحريري جملة واسعة من المعتقدات التي تتغذّى من مرغوبيتها تغذيةً ذاتية، تصدّرَها اعتقادهم بأنهم جزء من أكثرية إسلامية سنيّة غالبة في العالمين العربي والإسلامي. لذا لم يحلُ لمفكّر من مفكريهم (كرضوان السيّد) بأن يُوصفوا بأنهم «طائفة»، وذلك باعتبارهم، في رأيه، «أمّة» ممتدّة على مدى العالم الإسلامي بأسره. وإلى هذا الاعتقاد يضيفون اعتقاداً متمّماً بأنهم يشكلون أكثرية سكان المدن الرئيسة في لبنان، بما في ذلك العاصمة بيروت، أو، في الأقل، أكثرية سكانها «الأصليين» (هكذا رفع مرشح ثري عن بيروت، انتُخب في الانتخابات النيابية الأخيرة، صورة عملاقة له مصحوبة بشعار: «بيروتي أصيل»). ولذا لم يرضَ رئيس سابق للحكومة، هو فؤاد السنيورة، بأن توصف مدينته صيدا بـ «بوابة الجنوب»، ما يفقدها، على ما يبدو، خصوصيتها بوصفها «صيدا» فقط بهويتها المعلومة.

في ظل هذا الشعور بالاطمئنان المديد على الذات توالت على الجماعة السنيّة في لبنان الصدمات التي صدّعت هذا الاطمئنان من جذوره. فقد اغتيل الزعيم الذي أودعوه ثقتهم بمستقبلهم ومنحوه في الانتخابات الفوز تلو الفوز ليجدوه في النهاية محترقاً متفحّماً على قارعة الطريق.

لقد أصابتهم الصدمة، في يومها الأول، بالذهول، ثمّ في يوم الجنازة التالي، انفجر غضبهم، بلا شغب أو تحطيم ممتلكات أو اعتداءات وما إلى ذلك، واختزلوا غضبهم في هتاف واحد «لا إله إلا الله بشّار عدوّ الله» الذي عبّر، على ما بدا، عن تمنّيهم بأن يكون «القاتل» من خارج البلاد.

هذا وقد أعانهم على إدامة هذا الغضب المنضبط انهيال التعازي من كل صوب، وتضامن لا سابق له من طوائف وقوى، وتطورات سياسية جاءت في مجملها في مصلحة الفريق السياسي الذي ينحازون إليه. ولذا لم يُتح لهم الدخول في فترة «حداد» ثم اجتيازها، أي هذه الفترة التي يختبر فيها أهل الفقيد حالة من الحزن أو الكآبة للخسارة أو الفقد الذي ألمّ بهم، ثم يجتازونها بالاعتياد، تحت ضغط الواقع، على فكرة الغياب والتعويض عنه بذكرى الحضور أو حضور الذكرى.

وهُمْ على هذه الحالة جاءتهم الصدمة التالية: فريقٌ ينطق إلى حد كبير باسم طائفة («حزب الله») «يشكر» القاتل المفترض، ويهديه بندقية عربون امتنان لدعمه، ثمّ، وهنا الطامة الكبرى، يعارض تحقيقاً دولياً في الجريمة لكشف «الحقيقة» وإنشاء محكمة خاصة لإقرار «العدالة». الحقيقة والعدالة يطلبون، وها هم شركاؤهم في البلاد الذين طالما تمنّوا تبرئتهم من الجريمة يعارضون ما يطلبون. فيا للصدمة!

اعترت الجماعة، فوق الغضب، حالة من البهتان والغيظ. لقد بهتتهم من حيث لا يتوقعون المعارضة الصريحة لهذا الفريق، في مجلس الوزراء، للطريق الذي رأوه آمناً نحو «الحقيقة والعدالة»، وأيقظتهم هذه المعارضة من حلم يقظتهم بالتفريق بين هذا الفريق والقاتل المفترض، وأغاظهم أشدّ الغيظ، بعد استفاقتهم على الواقع، أن يتولّى هذا الفريق حماية القاتل من أداة دولية لا بد مُفضية إلى إدانته وإنزال العقوبة به. وقد هدّأ من هيجانهم إقرار مجلس الأمن بإجماع أعضائه مطلبهم، وما لبثوا ينتظرون «الحقيقة» على أحرِّ من الجمر.

في ظل هذا الانتظار اندلعت حرب تموز (يوليو) 2006 ورأت الجماعة وقطاع واسع من الناس بغيظ لا حدود له أن «حزب الله»، من خلال عملية أمنية ضد إسرائيل، «تسبّب» بحرب كان يمكن تجنبها (هذا ما انتهى إليه أحمد بيضون في بيان صدر باسمه)، ويتحمّل بالتالي مسؤولية ما نتج عنها من دمار وموت ونزوح، وعزّز هذا الإدراك التصريح الأشهر لقائد حزب الله: «لو كنت أعلم...».

إلا أن الجماعة كظمت غيظها وتصرفت وفق الأصول التي تقتضيها العلاقات بين الجماعات الأهلية، وذلك باستقبال النازحين في مدارسها، وتقديم الحصص الغذائية لهم في علب تحمل اسم المنظمة السياسية الرئيسية للجماعة، وهو ما أمكن أن يفسّره النازحون بأنه تمنين أو حط على العين أو ما يشبه ذلك، ما دفعهم إلى رمي هذه العلب في صناديق القاذورات.

هذا في الظاهر، أما في الباطن فقد استبدّ بقطاع مهم من الجماعة وجماعات أخرى شعور مشؤوم بتمنّي أن تُنزل إسرائيل هزيمة تامة بحزب الله في ما يمكن وصفه بظاهرة التماهي أو التوحّد بالمعتدي. غير أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، بـ «نصر إلَهي» مجلجل لـ «حزب الله» تردّدت أصداؤه في أرجاء العالم. استجاب هذا القطاع من الجماعة على الفور لهذا الانتصار- الذي تستحيل ملاءمته مع ما تمناه - بالتشكيك فيه بدلالة حجم الدمار والموت والنزوح، غير أن زحمة الاعترافات بالانتصار من أصدقاء «حزب الله» وخصومه وأعدائه بمن فيهم إسرائيل، لم تترك لهذا القطاع من الجماعة مخرجاً سوى استيعاب الواقعة، والتلاؤم معها، واتخذ هذا التلاؤم منحيين متعارضين تعارضاً تاماً: الانكفاء على الذات واللوذ بصمت يتطاير منه الشرر، أو الصراخ بأعلى صوت احتجاجاً على ما تسبّب به «حزب الله» من آلام والسكوت المريب على ما اقترفته إسرائيل من آثام.

كان الانتصار يحتاج إلى ترجمة، وترجمته تكون، وفق «حزب الله»، في «حكومة وحدة وطنية» تضم الحليف المسيحي الجديد والثمين للحزب (التيار العوني) الذي أقصته «الأغلبية» النيابية لسنوات عن المشاركة الحكومية. إلا أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عاند ورفض وتسلّح في عناده بدوره أثناء الحرب في «المقاومة الديبلوماسية». وعليه ضاعفت المعارضة التي يوجهها «حزب الله» الضغوط ودعت إلى الاعتصام في وسط بيروت والتخييم فيه إلى حين استقالة الحكومة.

امتد الاعتصام والتخييم لعام كامل، وفي الأثناء كانت الجماعة ترمق وسط المدينة بأسى بالغ. فالوسط، على ما تشعر به الجماعة، «وسطها» الذي أعاد فقيدها الغالي إحياءه وبث الحياة فيه، وها هو محتلٌّ من جماعات «الأطراف» و»الضواحي» ينصب فيه خيمه ويثبّت بيوت الخلاء الجاهزة لقضاء الحاجة، ثمّ، في الأماسي، يكون الهزج والرقص وتدخين الأراكيل وتُرفع، في بعض الأيام، الهتافات والقبضات باتجاه مبنى السرايا الحكومي الذي رمّمه الفقيد على أروع طراز، رمزاً للمكانة السياسية الجديدة التي أرساها الطائف للجماعة وممثلها في رئاسة الحكومة.

في هذا المناخ الضاغط والشعور بخطر خسارة الموقع بعد خسارة الزعيم اعتملت لدى الجماعة فكرة مشؤومة مستجدة كانت قد حاولت أن تتجنبها أثناء الحرب الأهلية، وهي امتشاق السلاح في وجه السلاح. ولمّا كان شبان المدينة ليسوا، أو ما عادوا، مستعدين بصورة تلقائية لهذه المهمة، فقد أُوكل الأمر إلى ما يشبه «شركة خاصة» على الطريقة الأميركية، لتجنيد ما أمكن من شبان الأحياء وتسليحهم. وكانت هذه الفرقة تعلن عن نفسها، كما يفعل خصمها «حزب الله»، في إطلاق النار الكثيف في الهواء كلّما أطل زعيمها على شاشات التلفزيون. غير أن مصيرها في القتال انتهى إلى ما يشبه المأساة التي لا تخلو من لمسة هزلية: ففي الثامن من أيار (مايو) 2008، انتشرت قوات لـ «حزب الله» و «أمل» في شوارع المدينة وانتزعت السلاح من أيدي أفراد الفرقة وسلمته، كما قيل، إلى الجيش. كان هذا اليوم «يوماً مجيداً» في عرف «حزب الله» و «يوماً مشؤوماً» في تقدير أحد أصدقائه السياسيين، سليم الحصّ.

منذ ذلك اليوم المجيد/ المشؤوم بدأت الجماعة فعلاً فترة حداد إلتهت عنه سابقاً بالانخراط في معارك منشّطة وواقية من الكآبة ومدعومة مما كان يُظنّ أنه أغلبية الناس وأغلبية الدول.

لقد أزالت «غزوة المدينة» الغشاوة عن عيون الجماعة وصدمتها بالواقع الذي لم ترغب قط أن تتعرف إليه، وهو أنها فقدت في آن الزعيم والمكانة والمكان. استغرقتها هذه الرضّة في حالة خَوَر سوداوي داوتها جزئياً تعزية مدروسة بإعادة تكليف السنيورة تأليف الحكومة، ولكن في إطار توازن جديد للسلطة لم يتوقف عن الاختلال لغير صالحها إلى يومنا هذا.

في ظل هذه الحالة من المرارة لم يعد للجماعة سوى الانتظار، لا سيما انتظار «الحقيقة» من التحقيق الدولي. والمفارقة أن «الحقيقة» جاءتهم هذه المرة بصدمة إضافية. فبعد طول انتظار وما لا يحصى من تكهنات، صدر عن المحقق الدولي قرارٌ ظني يوجه الاتهام إلى أربعة من مسؤولي «حزب الله». واستنتجت الجماعة والمتضامنون معها، بطريقة منطقية، أن هذا الاتهام لا بد أن يشمل قادة الحزب أنفسهم ورؤوس النظامين الإيراني والسوري. وعليه لم يعد ممكناً حصر الجريمة بفاعل فرد يمكن عزله وإنزال العقاب به. فالفاعل محور متجبّر أنّى لجماعة أهلية أن تتحمل الأعباء المترتبة على مواجهته. ولذا نُصحت الجماعة بالاكتفاء بـ «الحقيقة» والتوقف عن المثابرة وراء «العدالة».

بيد أن قائد حزب الله وإعلامه أخذا يشككان بالحقيقة نفسها وبالأدلة التي تستند إليها، ويقدّمان «أدلة» مضادة تجزم بمسؤولية إسرائيل عن الجريمة.

وبالنتيجة أخذت تهمة الاغتيال تدور حول «حزب الله» وتبتعد من الأسد، مما حدا بالرئيس الفرنسي ساركوزي، المعروف بسلوكه السياسي «العملي»، إلى استثمار هذا المناخ لتحسين علاقاته مع الأسد، وهو ما حصل بالفعل وكانت إحدى ثماره زيارة قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري إلى دمشق واستقبال الأسد له بالعناق في منتصف ممشى مفروش بالسجاد الأحمر، ثم إقامة مبجّلة في قصر الضيافة الرسمي. أعطت الزيارة بلا أدنى ريب صك اعتراف من المدّعي ببراءة المدّعى عليه السابق بجريمة الاغتيال، وتصوّر قطاع مهم من الجماعة بعدما شاهدوه من حميمية اللقاء أن صفحة جديدة في العلاقة مع نظام دمشق قد فُتحت وأن اياماً سعيدة لهم لا بدّ قادمة.

غير أنه لم تمضِ أيام قليلة على الزيارة حتى جاءت صدمة لا نظير لها في «لؤمها» في عين الجماعة: رسالة رسمية من الحكومة السورية إلى الحكومة اللبنانية تطالبها بالتحقيق مع شهود الزور الذين سبق ووجهوا اتهامات إلى شخصيات رسمية سورية في جريمة الاغتيال. انقبض الحريري وانقبضت الجماعة ودفعتها الخيبة الجديدة إلى الانطواء مرة أخرى على ذاتها وتمنّي الشر لخصومها في الداخل والخارج، وبالفعل جاء الشر ولكنْ ليقع على رؤوسها في صورة إهانة مدبرة وهادفة- على ما بدا لها- لإنهاء عهد «الحريرية» إلى غير رجعة: استقالة جماعية لوزراء «حزب الله» وحلفائه تمّ توقيت إعلانها بالضبط أثناء مقابلة الحريري للرئيس الأميركي في واشنطن.

لقد بدا أن تبنّي الجماعة السنيّة لـ «المسألة الحريرية»، أي مسألة المطالبة بـ «الحقيقة والعدالة» في اغتيال الأب من جهة، وضمان رئاسة الحكومة للإبن من جهة أخرى، قد أنهكت الجماعة وأشعرتها بإرهاق شديد وتحمّل ما لا يمكن تحمله من خيبات متوالية، ولذا شعرت بحاجتها إلى «استراحة» تلتقط فيها أنفاسها المتقطعة التي كادت تتحول إلى زفرات عليل. وفي هذه الحال استقبلت قطاعات من الجماعة المنهكة حكومة الميقاتي التي لم تضم وزراء من «المستقبل» إمّا باللامبالاة أو بـ «لننتظر ونرَ» أو بالاعتراض المتوقّع بأنها «حكومة حزب الله».

في هذا المناخ الانسحابي– الذي يشبه انسحاب مصاب بالاكتئاب السوداوي من العالم وتمنّي دماره- حدث ما لم يكن بالحسبان، وإن كان في دائرة التمنّي: اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية ضد النظام القائم. انفرجت أسارير الجماعة ولشدة ما عانته من خيبات أخذت تبني في مخيالها لسورية ولبنان معاً قصوراً من الآمال لم يشهد بشر أجمل منها ولا أسعد من الحياة فيها والتنزه حولها.

تابعت الجماعة- ومعها قطاعات من الساخطين على الوضع القائم- الاحتجاجات السورية يوماً بيوم، وارتاحت إلى سلميتها وردّدت معها شعاراتها «حرية، حرية» و «الله، حرية وسورية وبس»، واطمأنت إلى «لا طائفيتها» بتسمية جمعات الاحتجاجات بأسماء زعماء من طوائف متنوعة، واستخلصت بتسرّع أن «النظام» على وشك السقوط التلقائي، وذلك من غير أن تعير أدنى إلتفات إلى هشاشة البدائل التي تعدّها الدول على عجل ولا إلى تماسك الجهازين العسكري والديبلوماسي للدولة السورية. وعليه لم تستيقظ الجماعة من سباتها إلا بعد أن تعسكرت الاحتجاجات وأخذت رايات الله ومحمد وأبطال الإسلام تنتشر كالفطر في أرجاء سورية ممهّدة لظهور الخليفة الذي طال انتظاره، ثم القضاء عليه وشبه اتفاق الدول على العمل لـ «إعادة تأهيل» النظام ورئيسه.

ومرة جديدة خابت آمال الجماعة في تعديل توازنات الخارج بعد أن همّشتها توازنات الداخل، وبدأت تظهر على سلوكياتها أعراض سياسية «انتحارية» تجلّت بصورة أساسية في شعورها بالتشفي من انهزام خصومها أمام دولة الخليفة، وفي صمتها المتواطئ على انفلات جماعات إسلامية في طرابلس وصيدا، وفي سكوتها المريب عن نشاطات جماعات إسلامية مسلحة على الحدود الشرقية للبنان مع سورية.

في هذا المناخ الاكتئابي والإحساس بالأخطار التي تحدق بالجماعة من كل صوب، أخذت تظهر على الزعيم الأهم للجماعة وفريق من مساعديه علامات الاستيعاب لتوازنات القوى والاستعداد للتلاؤم معها. وكانت أولى هذه العلامات قبوله برئيس حكومة بديل له ومتفاهم معه، هو تمام سلام، وحكومة تعكس الرجحان السياسي لخصومه التقليديين.

إلا أن أهم علامات الاستيعاب والتلاؤم وأكثرها صدمة لجمهوره هي إقدامه بعد أزمة انتخاب رئيس الجمهورية على «تسوية» تقضي بانتخاب خصم تقليدي له متهم بإساءات ضد الجماعة وضد الدول الخليجية التي ترعاها مقابل «تسميته» في الاستشارات النيابية الملزمة رئيساً للحكومة.

أثارت هذه التسوية غضب قطاع من جمهور الجماعة وما يشبه التمرد داخل «التيار» وارتفاع صوت «الصقور»المنشقين حديثاً عنه، إلا أن الرجل مضى في سبيله باسم «الواقعية السياسية». ومن سخريات القدر أن هذا الخيار صدمته أوضاع عربية وخليجية حليفة، فيما تولّى الخصمان التقليديان له سابقاً (رئيس الجمهورية وأمين عام «حزب الله») رفع الصوت بأوضح الكلمات وأقواها دفاعاً عن «رئيس حكومتنا»، وهو ما آل في نهاية المطاف إلى عودته الظافرة إلى جمهوره المكلوم وإلى انكماش المتمردين عليه ثم الانتقام منهم في الانتخابات النيابية اللاحقة.

غير أن نتائج هذه الانتخابات التي خاضها الحريري، حسب قوله، بـ «اللحم الحي»، مع تيار مترهّل- جاءت بدورها صادمة لجمهوره الذي شعر مذهولاً بأنه الخاسر الوحيد في هذه الانتخابات. فقد عزّزت جميع القوى السياسية تمثيلها باستثناء تياره السياسي الذي خسر ما يقرب من ثلث ما كان له من عدد نوابه. والأدهى في هذه النتائج، التقارب في الحاصل الانتخابي في بيروت بين لائحة «المستقبل» (6 نواب) واللائحة التي رعاها «حزب الله» (4 نواب)، أما أدهى الدواهي فهو حصول مرشح «حزب الله» في بيروت نفسها، أمين شرّي، على أصوات تفضيلية تفوق ما حصل عليه الحريري نفسه. وعليه حملت هذه النتائج إلى الجماعة السنيّة الحقيقة المعلومة التي لم ترغب قط أن تعترف بها: استحالة التوحيد التام بين هويتها كجماعة والهوية التعددية للمدينة.

وكالعادة استجابت الجماعة ما بعد صدمة الانتخابات بالانطواء على الذات، تعالج مرارتها بالتبرير أو الغضب أو اللامبالاة، مما دفع بعض النواب المعارضين من الجماعة إلى تطييب خاطرها بزيارات تعزية على ما يبدو، إلى زعيمها الأبرز، ثم إلى اتفاق القوى السياسية للطوائف على تسميته رئيساً للحكومة التي ما يزال يتعثّر في تأليفها لربما بانتظار أن «يتنازل» مجدداً ويصدم جمهوره صدمة جديدة.

لكأن الجماعة باتت، للاحتياج إليها، في رعاية الجماعات الأخرى، ولكأن للصيغة «فلسفة» ضمنية تتلخص، وفق قول حكيم، في أن: «الكل يحمي الكل» (وفق ما نقل أحمد بيضون عن حسين الحسيني).

* كاتب لبناني